أحمد مصطفى المراغي
170
تفسير المراغي
قتالها ، إذ تبين أنها هي الطائفة التي وعدهم اللّه تعالى بالنصر عليها - صعب على بعضهم لقاؤها على قلتهم وكثرتها ، وضعفهم وقوتها ، وعدم استعدادهم للقتال كاستعدادها ، وطفقوا يعتذرون إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنهم لم يخرجوا إلا للعير ، لأنه لم يذكر لهم قتالا فيستعدوا له . ولكن الحق تبين بحيث لم يبق للجدل فيه وجه - فلا ينبغي أن يقال إن طائفة العير هي مراد اللّه لأنها نجت ، ولا بأن يقال إننا لم نعدّ للقتال عدّته ، لأنه مهما تكن حالها فلا بد من الظفر بها لوعد اللّه به ، فإذا لا وجه للجدل إلا الجبن والخوف من القتال . ( كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) أي كأنهم لشدة ما هم فيه من جزع ورهب يساقون إلى موت محقق لا مهرب منه ، لوجود أماراته وأسبابه حتى كأنهم ينظرون إليه بأعينهم ، إذ ما بين حالهم وحال عدوهم من التفاوت في القوة والعدد والخيل والزاد قاض بذلك ، ولكن اللّه تعالى وعد رسوله والمؤمنين بالظفر والنصر عليهم ( ووعده لا يتخلف ) أما هذه الأسباب العادية فكثيرا ما تتخلف ، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه الذي بيده كل شئ وهو القادر على كل شئ ، وهكذا أنجز اللّه وعده لرسوله والمؤمنين وكان لهم الظفر والفوز على عدوهم وكان هذا نصرا مؤزّرا للمسلمين على المشركين ، وبه علا ذكرهم في البلاد العربية وهابهم قاصيها ودانيها . ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ) أي واذكروا حين وعد اللّه إياكم أن إحدى الطائفتين لكم تتسلطون عليها وتتصرفون فيها . ( وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ) أي وتتمنّون أن الطائفة غير ذات الشوكة : ( وهي العير ) تكون لكم ، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا ، وعبر عنها بذلك تعريضا لكراهتهم للقتال وطمعهم في المال . ( وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ) أي ويريد اللّه بوعده غير ما أردتم ، يريد أن يثبت الحق الذي أراده بكلماته ، أي بآياته المنزلة على رسوله في محاربة ذات الشوكة ،