أحمد مصطفى المراغي

166

تفسير المراغي

هم المؤمنون حق الإيمان ، وهو نتيجة لتصديق إذعانى له أثر في أعمال القلوب والجوارح وبذل المال في سبيل اللّه . روى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري رضي اللّه عنه أنه مرّ برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال أصبحت مؤمنا حقا : قال : انظر ما ذا تقول فإن لكل شئ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ فقال عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلى ، وأظمأت نهارى ، وكأني انظر إلى عرش ربى بارزا ، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني انظر إلى أهل النار يتضاغون فيها ، فقال : يا حارثة عرفت فالزم ( ثلاثا ) » وروى عن الحسن أن رجلا سأله أمؤمن أنت ؟ قال الإيمان إيمانان ، فإن كنت تسألني عن الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قوله تعالى : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ » إلخ فو اللّه لا أدرى أنا منهم أم لا . وبعد أن ذكر سبحانه أوصافهم ذكر جزاءهم عند ربهم فقال : ( لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) أي لهم درجات من الكرامة والزلفى لا يقدر قدرها عند ربهم الذي خلقهم وسوّاهم وهو القادر على جزائهم على جميل أعمالهم في دار الجزاء والثواب ، واللّه تعالى فضل بعض الناس ورفعهم على بعض درجة أو درجات في الدنيا وفي الآخرة وعند اللّه تعالى كما قال تعالى : « الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ » وقال تعالى في الرسل : « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ » الآية . وقال في درجات الدنيا وحدها : « وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » . ولهم مغفرة من اللّه لذنوبهم التي سبقت وصولهم إلى درجة الكمال ، ولهم رزق