أحمد مصطفى المراغي

16

تفسير المراغي

( أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ؟ ) أي أو أمن أهل القرى أن يأتيهم عذابنا في وقت الضحى وهم منهمكون في أعمالهم التي كأنها لعب أطفال لعدم الفائدة التي تترتب عليها . والخلاصة - إنه تعالى خوّفهم نزول العذاب بهم في أوقات الغفلات ، إما حين النوم وإما وقت الضحى ، إذ يكثر فيه تشاغل الناس باللذات . ( أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ؟ ) أي أكان سبب أمنهم إتيان بأسنا بياتا أو ضحى وهم غافلون عن مكر اللّه بهم بإتيانهم ببأسنا من حيث لا يحتسبون ولا يقدرون ؟ إن كان الأمر كذلك فقد خسروا أنفسهم فإنه لا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون . وإذا كانت الآية ناطقة بأن أمن الصالح المتعبد من مكر اللّه جهلا يورث الخسر فما بال من يأمن مكر اللّه وهو مسترسل في معاصيه اتكالا على عفوه ومغفرته ورحمته ؟ و قد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يكثر من الدعاء بقوله : « اللهم يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك » . وذكر سبحانه أن الراسخين في العلم يدعونه فيقولون : « رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً » . وكما أن الأمن من مكر اللّه خسران ومفسدة ، فاليأس من رحمة اللّه كذلك فكلاهما مفسدة تتبعها مفاسد . ( أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ؟ ) أي أكان ما ذكر آنفا مجهولا لأهل القرى وأنه هو سنة اللّه ولم يتبين لأولئك الذين يرثون الأرض من بعد أهلها قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل أن شأننا فيهم كشأننا فيمن سبقهم فهم خاضعون لمشيئتنا ، فلو نشاء أن نعذبهم بسبب ذنوبهم لعذبناهم كما أصبنا أمثالهم ممن قبلهم بمثلها وأهلكناهم كما أهلكناهم ، فإن لم نهلكهم بالعذاب نطبع على قلوبهم فلا يسمعون الحكم