أحمد مصطفى المراغي

150

تفسير المراغي

هذه الآيات الثلاث ، وهي اتقاء إفساد الشياطين : أي شياطين الجن المستترة - فالآية السالفة أمرت بالإعراض عن الجاهلين وهم السفهاء اتقاء لشرهم - وهذه الآيات أمرت بالاستعاذة باللّه من الشياطين اتقاء لشرهم . الإيضاح ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي وإن يثر فيك الشيطان داعية الشر والفساد بسبب غضب أو شهوة ، فيجعلك تتأثر وتتحرك للعمل بها كما تتأثر الدابة إذا نخست بالمهماز فتسرع - فالجأ إلى اللّه وتوجه إليه بقلبك ليعيذك من شر هذا النزغ ، حتى لا يحملك على ما يزعجك من الشر وعبّر عن ذلك بلسانك فقل : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، فإنه سميع لما تقول عليم بما تحدثك به نفسك ويجيش به صدرك ، فهو يصرف عنك تأثير نزغه بتزيين الشر ، وقد دلت التجربة على أن الالتجاء إلى اللّه تعالى وذكره بالقلب واللسان يصرف عن النفس وسوسة الشيطان كما قال تعالى : « فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » والخطاب في الآية وما ماثلها من الآيات موجه إلى كل مكلف يبلغه ، وأولهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل إنه موجه إلى الرسول والمراد أمته ، وقد روى مسلم عن عائشة وابن مسعود أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن - قالوا وإياك يا رسول اللّه ؟ قال : وإياي إلا أن اللّه أعانني عليه فأسلم منه » . ثم بين سبحانه طريق سلامة من يستعذ من الشيطان من الوقوع في المعصية فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) أي إن خيار المؤمنين وهم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - إذا ألمّ بهم طائف من الشيطان ليحملهم بوسوسته على المعصية أو إيقاع البغضاء بينهم ، تذكروا أن هذا من إغواء الشيطان عدوهم الذي أمر اللّه بالاستعاذة منه والالتجاء إليه