أحمد مصطفى المراغي

145

تفسير المراغي

ثم زاد الأمر بيانا وبالغ في حقارة هذه المعبودات وعابديها على ما كان به من ضعف وقلة ناصر وهو بمكة حين نزول هذه السورة فقال : ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) أي إن متولى أمرى وناصري هو اللّه الذي نزّل علىّ الكتاب المؤيد لوحدانيته ووجوب عبادته ودعائه عند الشدائد والملمات ، والناعي على المشركين عبادة غيره من وثن أو صنم ، وهو يتولى نصر الصالحين من عباده ، وهم من صلحت أنفسهم بصحيح العقائد ، وسلمت من الأوهام والخرافات ، والأعمال التي تصلح بها شؤون الأفراد والجماعات ، فينصرهم على ذوى الخزعبلات والأوهام ، وفاسدى العقائد والأحلام تصديقا لقوله : « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ » . ثم أكد ما سلف بقوله . ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) أي وإن من تدعونهم لنصركم وجلب النفع لكم ودفع الضر عنكم عاجزون ، فلا هم بالمستطيعين نصركم ولا نصر أنفسهم على من يحقّر شأنهم أو يسلبهم شيئا مما وضع عليهم من طيب أو حلى ، فقد كسّر إبراهيم صلوات اللّه عليه الأصنام فجعلهم جذاذا فما استطاعوا أن يدفعوه عن أنفسهم ولا أن ينتقموا منه لها . وقد روى عن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل رضي اللّه عنهما - وكانا شابين من الأنصار قد أسلما لما قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة - أنهما كانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل ، ليعتبر قومهما بذلك ويرتئوا لأنفسهم رأيا آخر . وكان لعمرو بن الجموح - وكان سيد قومه - صنم يعبده فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة فيجىء عمرو فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له انتصر ، ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضا ،