أحمد مصطفى المراغي

125

تفسير المراغي

ما يدّعى لا يصدر ممن لم يناظر ولم يفاخر ولم يجادل أحدا فيما مضى ، إن هو إلا وحي من اللّه ألقاه في روعه ونزل من لدنه على روح القدس ، واللّه يختص بفضله ورحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم . ( أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ) أي أكذّبوا الرسول الذي علموا صدقه وأمانته وقالوا إنه مجنون ، وهو الذي شهر لديهم بالرؤية والعقل ، ولم ينظروا نظرة تأمل واستدلال في هذا الملكوت العظيم من السماوات والأرضين ، فيروا ذلك النظام البديع فيهما وفي كل ما خلق اللّه ، وإن دق وصغر ، إنهم لو تأملوا في كل ذلك لرأوا آثار قدرته وعلمه ، وفضله ورحمته وأنه لم يخلق شيئا من ذلك عبثا ، ولا ترك الناس سدى . إن كل ذرة فيهما لدليل لائح على الصانع المجيد وسبيل واضح إلى التوحيد . وفي كل شئ له آية * تدل على أنه واحد إنهم لو نظروا في شئ من ملكوت السماوات والأرض لاهتدوا بدلائله إلى تصديق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، كذلك لو نظروا في توقع قرب أجلهم ، وقدومهم على ربهم بسوء عملهم ، لاحتاطوا لأنفسهم ، ورأوا أن من الحكمة أن يقبلوا إنذاره صلى اللّه عليه وسلم لهم ، فما جاءهم به لا ينكرون أنه خير لهم في الدنيا وخير لهم في الآخرة إذا صدق ما يقرره من أمر البعث والجزاء ، وهو صدق وحق لا شك فيه . ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ؟ ) أي فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به ، وهو أكمل كتب اللّه بيانا ، وأقواها برهانا ، فمن لم يؤمن به فلا مطمع في إيمانه بغيره . ( مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ) أي إن اللّه قد جعل هذا الكتاب أعظم أسباب الهداية للمتقين لا للجاحدين المعاندين وجعل الرسول المبلغ له أقوى الرسل برهانا وأكملهم عقلا ، وأجملهم أخلاقا ، فمن فقد الاستعداد للإيمان بهذا الكتاب وهذا الرسول فهو الذي