أحمد مصطفى المراغي
122
تفسير المراغي
و أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة فيها قال : بلغنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول إذا قرأها . وهذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) . و أخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : لتفترقنّ هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة ، يقول اللّه ( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة ا ه . ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) أي والذين كذبوا بآيات اللّه سندعهم يسترسلون في غيهم وضلالهم ولا يدرون شيئا من عاقبة أمرهم ، لجهلهم سنن اللّه في المنازعة بين الحق والباطل وأن الحق يدفع الباطل ، وما ينفع الناس يتغلّب على ما يضرهم كما قال تعالى بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وقال : « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ » . وقد صدق اللّه وعده ، فقد كان كفار قريش وصناديدها يبالغون في عداوة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، اغترارا بكثرتهم وثروتهم لا يعتدّون به ولا بغيره ممن آمن به أوّلا وأكثرهم من الضعفاء الفقراء ، فما زالوا يتدرّجون في عداوتهم له وقتالهم إياه حتى أظهره اللّه تعالى عليهم في غزوة بدر فلم يعتبروا ، ثم زادهم غرورا تغلّبهم عليه آخر معركة أحد حتى قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر - إلى أن كان الفتح الأعظم : فتح مكة فأظهر رسوله صلى اللّه عليه وسلم ومن اتبعه عليهم من حيث لا يعلمون سنته تعالى . وأثر عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال لما حملت إليه كنوز كسرى : اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فأنى سمعتك تقول ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) . ( وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) أي وأمهل هؤلاء المكذبين المستدرجين في العمر وأمدّ لهم في أسباب المعيشة والتدرب على الحرب بمقتضى سننى في نظام الاجتماع البشرى