أحمد مصطفى المراغي
12
تفسير المراغي
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » وورد في الأثر « إن اللّه طيّب لا يقبل إلا طيبا » . ( وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً ) أي وكلوا مما رزقكم اللّه من الحلال في نقسه لا من المحرمات كالميتة والدم المسفوح ولجم الخنزير ، ومن الحلال في كسبه وتناوله بألا يكون ربا ولا سحتا ، ولا سرقة ، مع كونه مستلذا غير مستقذر لذاته أو لطارئ . يطرأ عليه من فساد أو تغير لطول مكث ونحوه . والأكل في الآية يراد به التمتع الشامل للشرب ونحوه من حلال غير مسكر ولا ضار ، ومن كل طيب غير مستقذر في ذاته أو لطارئ يطرأ عليه . والخلاصة - إنه ينبغي للمؤمن أن يتمتع بما تيسر له من الطيبات بلا تأثم ولا تحرج ، ويحضر قلبه أنه عامل بشرع اللّه مقيم لسنة الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، شاكر له بالاعتراف والحمد والثناء عليه ، كما أن امتناعه عن الطيبات التي رزقه اللّه إياها مع الداعية الفطرية إلى الاستمتاع بها إثم يجنيه على نفسه في الدنيا ويستحق به عقاب الآخرة ، لزيادته في دين اللّه قربات لم يأذن بها ، ولإضاعة حقوق اللّه وحقوق عباده كإضاعة حقوق امرأته وعياله . والتحريم والتحليل تشريع وهو من حقوق اللّه فمن انتحله لنفسه كان مدعيا الربوبية أو كالمدعى لها . وعن الحسن البصري : إن اللّه أدب عباده فأحسن أدبهم فقال : « لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ » ما عاب اللّه قوما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا ، ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه . وعنه أنه قيل له فلان لا يأكل الفالوذج ويقول لا أؤدي شكره ، قال أفيشرب الماء البارد ؟ قالوا نعم ، قال إنه جاهل ، إن نعمة اللّه عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج ( البلوظة ) . ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) أي واتقوه في الأكل واللباس والنساء وغيرها ، فلا تفتاتوا عليه في تحليل ولا تحريم ، ولا تعتدوا حدوده فيما أحل وما حرم ،