أحمد مصطفى المراغي
10
تفسير المراغي
الصحابة قالوا نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا : نعم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لكني أصوم وأفطر ، وأصلّى وأنام ، وأنكح النساء فمن أخذ بسنتي فهو منى ، ومن لم يأخذ بسنتي فليس منى » . و أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة أن عثمان بن مظعون وعلى ابن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبى حذيفة وقدامة تبتلّوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرّموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل ، وهمّوا بالاختصاء وأجمعوا على القيام بالليل وصيام النهار فنزلت الآية « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ » الآية فلما نزلت بعث إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إن لأنفسكم حقا ، وإن لأعينكم حقا ، وإن لأهلكم حقا ، فصلوا وناموا ، وصوموا ، وأفطروا فليس منا من ترك سنتنا » فقالوا : اللهم صدّقنا واتبعنا ما أنزلت مع الرسول . الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ) الطيبات : الأشياء التي تستلذها النفوس وتميل إليها القلوب ، أي لا تحرّموا على أنفسكم ما أحل اللّه لكم من الطيبات بأن تتركوا التمتع بها عمدا تنسكا وتقربا إلى اللّه ، ولا تعتدوا فيها وتتجاوزوا حد الاعتدال إلى الإسراف الضار بالجسد بأن تزيدوا على الشّبع والرّى ، أو تجعلوا التمتع بها أكبر همكم في الحياة ، أو تشغلكم عن الأمور النافعة من العلوم والأعمال المفيدة لكم ولبنى وطنكم . والآية بمعنى قوله تعالى : « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا » أو لا تعتدوها : أي الطيبات بتجاوزها إلى الخبائث المحرمة .