أحمد مصطفى المراغي
9
تفسير المراغي
المعنى الجملي بعد أن بين سبحانه في سابق الآيات حال الذين يكفرون باللّه ورسله ويفرقون بين اللّه ورسله فيقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض وهم أهل الكتاب ، بين في هذه الآيات بعض حوادث لليهود تدل على شديد تعنتهم وجهلهم بحقيقة الدين . الإيضاح ( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ) فقد قالوا إن موسى عليه السلام جاء بالألواح من عند اللّه فائتنا بألواح من عنده تكون بخط سماوي يشهد أنك رسول اللّه إلينا . أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : إن اليهود قالوا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند اللّه يكون فيه ( من اللّه تعالى إلى فلان إنك رسول اللّه وإلى فلان إنك رسول اللّه ، وهكذا ذكروا أسماء معينة من أحبارهم ، وما مقصدهم من ذلك إلا التعنت والتحكم لا طلب الحجة لأجل الاقتناع ) وقال الحسن لو سألوه ذلك استرشادا لأعطاهم ما سألوا ( فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) أي عيانا ننظر إليه ونشاهده : أي لا تعجب أيها الرسول من سؤالهم وتستنكره فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ، وكل من السؤالين يدل على جهل أو عناد . ذاك أن سؤال الرؤية جهرة دليل على الجهل باللّه ، إذ هم ظنوا أن اللّه جسم محدود تدركه الأبصار ، وأما سؤال إنزال الكتاب فهو دليل إما على العناد لأنهم اقترحوا ما اقترحوا تعجيزا ومراوغة ، وإما على الجهل بمعنى النبوة والرسالة مع ما ظهر فيهم من أنبياء ، إذ هم لا يميزون بين الآيات الصحيحة التي يؤيد اللّه بها رسله وبين الشعوذة وحيل السحرة المخالفة للعادة ، وكتبهم قد بينت لهم أنه يقوم فيهم أنبياء كذبة وأن النبي