أحمد مصطفى المراغي
7
تفسير المراغي
أم من غيرهم عذابا فيه ذل وإهانة لهم جزاء كفرهم الذي ظنوا فيه العزة والكرامة . ذاك أن من يؤمن باللّه ولا يؤمن بوحيه إلى رسله لا يكون إيمانه صحيحا ولا يهتدى إلى ما يجب له من الشكر ولا يعرف كيف يعبده على الوجه الذي يرضيه ، ومن ثم نرى أمثال هؤلاء ماديين لاتهمهم إلا شهواتهم كما أن من يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون . ببعض كأهل الكتاب لا يعتدّ بقولهم ، لأن الإيمان بالرسالة على الوجه الحق إنما يكون بفهمها وفهم صفات الرسل ووظائفهم وتأثير هدايتهم . ومن فهم هذا حق الفهم علم أن صفات الرسل قد ظهرت بأكملها في محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهو قد جاء بكتاب حوى ما لم يحوه كتاب آخر مع أنه نشأ بين قوم أميين ، ونقل كتابه وأصول دينه بالتواتر القطعي والأسانيد المتصلة دون غيره من الكتب . وبعد أن ذكر حال الفريقين السالفى الذكر ذكر حال فريق ثالث فقال : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ) أي والذين آمنوا باللّه وجميع الرسل وعملوا بشريعة آخرهم ، علما منهم بأن جميعهم مرسل من عند اللّه ، وما مثلهم إلا مثل ولاة يرسلهم السلطان إلى البلاد ومثل الكتب التي جاءوا بها مثل القوانين التي يصدر السلطان مراسيم للعمل بها ، فكل وال منهم إنما ينفذ أوامر السلطان وكل قانون يعمل به لأنه منه ، وكل قانون جديد ينسخ ما قبله ويمنع العمل به . وأولئك يؤتيهم اللّه أجورهم بحسب حالهم في العمل ، لأنهم وقد صح إيمانهم به وبرسله يهديهم إلى العمل الصالح ، إذ هو الأثر اللازم لذلك الإيمان الصحيح . ولم يقل في هؤلاء إنهم هم المؤمنون حقا كما قال في أولئك هم الكافرون حقا ، لئلا يدور بخلد أحد أن كمال الإيمان يوجد بدون العمل الصالح فيغتر بذلك ويترك العمل النافع وهذا مما لا يتلاءم مع نصوص الدين ، فلقد وصف اللّه المؤمنين حقا بقوله : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ » .