أحمد مصطفى المراغي

5

تفسير المراغي

والجهر بالسوء أشد ضرارا من الإسرار به ، لأن ضرره وفساده يفشو في جمهرة الناس ويعم سائر الطبقات . ( إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ) أي لكن من ظلمه ظالم فجهر بالشكوى من ظلمه شارحا ظلامته لحاكم أو غيره ممن ترجى نجدته ومساعدته على إزالة هذا الظلم فلا حرج عليه في ذلك ، فإن اللّه لا يحب لعباده أن يسكتوا على الظلم ، ولا أن يخضعوا للضيم ، بل يحب لهم العزة والإباء . فها هنا تعارضت مفسدتان : مفسدة الجهر بالشكوى من الظلم بقول السوء ، ومفسدة السكوت على الظلم وهو مدعاة فشوّه والتمادي فيه ، وذاك مما يؤدى إلى هلاك الأمم وخراب العمران ، وكانت ثانيتهما أخف الضررين فأجيزت للضرورة التي تقدّر بقدرها وإذا فلا يجوز للمظلوم أن يتمادى في الجهر بالسوء بما لا دخل له في دفع الظلم وفي الحديث « إن لصاحب الحق مقالا » رواه الإمام أحمد . ( وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ) فلا يفوته قول من أقوال من يجهر بالسوء ولا يعزب عن علمه البواعث التي أدت إليه ، إذ لا يخفى عليه شئ من أقوال العباد ولا من أفعالهم ونياتهم فيها ، فمن جهر بالسوء الذي لا يحبه اللّه لعباده لضرره ومفسدته لظلم وقع عليه فاللّه لا يؤاخذه ، بل ربما أثابه على ذلك لإراحة الناس من شر فاعله ، فإن الظالم إن لم يؤاخذ على ظلمه يزدد فيه ضراوة وإصرارا . ( إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ) أي إن فاعلى الخير سرا وجهرا والعافين عمن يسئ إليهم يجزيهم ربهم من جنس ما عملوا ، فيعفو عن سيئاتهم ويجزل مثوبتهم ، واللّه من شأنه العفو وهو القدير الذي لا يعجزه الثواب الكثير على العمل القليل .