أحمد مصطفى المراغي

18

تفسير المراغي

( وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ) أي وبسبب أخذهم الربا وقد نهوا عنه على ألسنة أنبيائهم ، والتوراة التي بين أيديهم إنما تصرح بتحريم أخذهم الربا من شعبهم ومن إخوتهم دون الأجانب ، فقد جاء في سفر الخروج ( إن أقرضت فضة لشعبى الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابى ، لا تضعوا عليه ربا ) وفي سفر تثنية الاشتراع ( لا تقرض أخاك بربا ، ربا فضة أو ربا شئ ما مما يقرض بربا ، للأجنبي تقرض بربا ، ولكن لأخيك لا تقرض بربا ) وهذه عبارة التوراة التي كتبت بعد السبي ، وثبت تحريفها بالشواهد الكثيرة ، أما النسخة التي كتبها موسى فقد فقدت باتفاق اليهود والنصارى . وبعض أنبيائهم قد نهوا عن الربا إطلاقا فلم يقيدوه بشعب إسرائيل كقول داود في المزمور الخامس عشر : فضته لا يعطيها بالربا ، ولا يأخذ الرشوة من البريء ، وقول سليمان في سفر الأمثال ( المكثر ماله بالربا والمرابحة ، فلن يرحم الفقراء بجمعه ) ( وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ) أي بالرشوة والخيانة ونحوهما مما أخذ فيه المال بلا مقابل يعتدّ به . ونحو الآية قوله تعالى : « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » والسحت : الكسب الحرام فقد كانوا يأخذون أثمان الكتب التي يكتبونها بأيديهم ثم يقولون هي من عند اللّه . وبعد أن ذكر وجوه الذنوب التي اقترفوها ، والجرائم التي ارتكبوها ، بين جزاءهم عليها في الآخرة فقال : ( وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) أي وأعددنا للذين كفروا منهم برسل اللّه عذابا مؤلما في نار جهنم خالدين فيها أبدا . وبعد أن بين في هذا السياق سوء حال اليهود وكفرهم وعصيانهم وأطلق القول في ذلك ، وكان هذا مما يوهم أنه شامل لكل أفرادهم ، جاء الاستدراك عقبه ببيان حال خيارهم الذين لم يذهب عمى التقليد بنور عقولهم فقال : ( لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ