أحمد مصطفى المراغي
88
تفسير المراغي
وما رواه الحاكم عن عائشة « لا يغنى حدر من قدر » لا يناقض أخذ الحذر ، لأن الأمر بالحذر داخل في القدر ، فالأمر به لندفع عنا شر الأعداء ، لا لندفع القدر ونبطله ، إذ القدر هو جريان الأمور بنظام تأتى فيه الأسباب على قدر المسببات ، والحذر من جملة الأسباب فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضاده . ( فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ) أي فانفروا جماعة إثر جماعة بأن تكونوا فصائل وفرقا - إذا كان الجيش كبيرا أو موقع العدو يستدعى ذلك - أو تنفر الأمة كلها جميعا إذا اقتضت الحال ذلك بحسب قوة العدو . والخلاصة - إنكم إما أن تنفروا جماعات جماعات ، وإما أن ينفر جميع المؤمنين على الإطلاق بحسب حال العدو . وامتثال هذا الأمر يقتضى أن تكون الأمة على استعداد دائم للجهاد بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب ويتمرن عليها ، وأن تقتنى السلاح الذي تحتاج إليه في هذا النضال ، وتعلم كيفية استعماله في كل زمان بما يناسبه . ومن هذا تعلم أن الحكومة الإسلامية يجب عليها أن تقيم هذا الواجب بنفسها لا أن تبقى عالة على غيرها ، وعلى الأمة أن تساعدها عليه ، بل تلزمها إياه إذا قصرت فيه ، بعكس ما نراه الآن من تراخى الأمم الإسلامية وضعفها وتوانيها في ذلك ، حتى طمعت فيها كل الدول التي تجاورها واجتاحتها من أطرافها واجتثت كثيرا من كورها وأقاليمها . وقد شدد الدين أيما تشديد في هذا الأمر فجاء مثل هذا في قوله تعالى « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ » وجاءت أحاديث كثيرة بهذا المعنى . ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ) أي ليتثاقلن ويتأخرنّ عن الجهاد ، والخطاب لجماعة المؤمنين بحسب الظاهر ، ومنهم المنافقون وضعفة الإيمان والجبناء ؛ فالمنافقون يرغبون عن الحرب ، لأنهم لا يحبون أن يبقى الإسلام وأهله ولا أن يدافعوا عنه ، ويحموا بيضته