أحمد مصطفى المراغي
83
تفسير المراغي
الإيضاح ( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ) أن اقتلوا أنفسكم : أي اقتلوها ببخع النفس ( الانتحار ) - كما أمر بنو إسرائيل بذلك ليتوبوا من عبادة العجل ، وقوله أو اخرجوا من دياركم بالهجرة إلى بلاد أخرى ، وقوله ما فعلوه : أي المأمور به من القتل والهجرة من الوطن . بين اللّه لنا في هذه الآية أن صادق الإيمان هو الذي يطيع اللّه في كل ما يأمر به ، في السهل والصعب ، والمحبوب والمكروه ، ولو كان ذلك بقتل النفس والخروج من الديار ( الجسم دار الروح والوطن دار الجسم ) أما المنافق فيعبد اللّه على ما يوافق هواه وشهواته ، فإن أصابه خير اطمأن به ورضى ، وإن ناله أذى انقلب على وجهه وارتد على عقبه وباء بالخسران في الدنيا والآخرة . ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) أي ولو أنهم فعلوا ما أمروا به وتركوا ما نهوا عنه لكان ذلك خيرا لهم في مصالحهم ، وأشد تثبيتا لهم في إيمانهم ، إذ الأعمال هي التي تطبع الأخلاق والفضائل في نفس العامل ، وتبدد الأوهام والمخاوف من نفسه ؛ فبذل المال مثلا آية من آيات الإيمان وقربة من أعظم القرب ، فمن فعله كان مؤمنا إيمانا صادقا ، ومن آمن بذلك ولم يفعله كان علمه بمنافعه ومزاياه له وللأمة والدين علما ناقصا ، فكلما دعا الداعي إلى البذل طاف به طائف البخل والإمساك ، وعرض له شبح الفقر والإملاق ، أو نقصان المال عن مال بعض الأقران ، لكنه إذا اعتدل البذل صار السخاء خلقا له وسجية ، وقلما امتنع عن فعله حين تدعو الحاجة إليه ، إذ الطاعة تدعو إلى مثلها ، فالمرء يطلب الخير أوّلا حتى إذا حصّله طلب أن يكون الحاصل ثابتا قويا . ( وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ، وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) أي ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به وأخلصوا العمل لأعطيناهم الثواب العظيم من عندنا ، وكيف لا يكون عظيما وقد وصفه النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله « فيها ما لا عين رأت