أحمد مصطفى المراغي
81
تفسير المراغي
الذنب دون أن يوجد هذا التوجه بالقلب فلا يكون استغفارا معتدّا به عند اللّه ، إذ لا بد أن يشعر القلب أوّلا بألم المعصية وسوء مغبتها ، وبالحاجة إلى التزكى من دنسها ، مع العزم القوىّ على اجتناب هذا الدنس ، ومتى أخلص الداعي أجاب اللّه دعاءه بإعطائه ما طلب أو بغيره من الأجر والثواب . ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) أقسم سبحانه بربوبيته لرسوله بأن أولئك الذين رغبوا عن التحاكم إليك هم ومن ماثلهم من المنافقين ، لا يؤمنون إيمانا حقا وهو إيمان الإذعان والانقياد إلا إذا كملت لهم ثلاث خصال : ( 1 ) أن يحكموا الرسول في القضايا التي يختصمون فيها ويشتجرون ولا يتبين لهم وجه الحق فيها ( 2 ) ألا يجدوا حرجا وضيقا فيما يحكم به : أي أن تذعن نفوسهم لقضائه وحكمه فيما شجر بينهم بلا امتعاض من قبوله والعمل به ، إذ المؤمن الكامل ينشرح صدره لحكم الرسول لأول وهلة ، لأنه الحق وأن الخير والسعادة في الإذعان له . ( 3 ) الانقياد والتسليم لذلك الحكم ، فكثيرا ما يعرف الشخص أن الحكم حق ، لكنه يتمرد عن قبوله عنادا أو يتردد في ذلك . وفي هذه الآية إشارة إلى شيئين : ( 1 ) عصمة النبي صلى اللّه عليه وسلم بمعنى أنه لا يحكم إلا بالحق المطابق لصورة الدعوى وظاهرها لا بحسب الواقع في نفسه ، إذ الحكم في شريعته على الظاهر ، واللّه يتولى السرائر ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلىّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها » رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن ، ومن ثم كانوا يسألونه إذا أمر بأمر لم يظهر لهم أنه الرأي ، أعن وحي هو أم عن رأى ؟ فإن كان عن وحي