أحمد مصطفى المراغي
76
تفسير المراغي
وقبلوا التحاكم إلى مصدر الطغيان والضلال من أولئك الكهنة والمشعوذين - سواء أكان أبا برزة الأسلمي أم كعب بن الأشرف - دليل على أن الإيمان ليس له أثر في نفوسهم ، بل هي كلمات يقولونها بأفواههم لا تعبر عما تلجلج في صدورهم ، وكيف يزعمون الإيمان بك وكتابك المنزل عليك يأمرهم بالكفر بالجبت والطاغوت في نحو قوله « وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ » وقوله « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى » وهم يتحاكمون إليه ؟ فألسنتهم تدّعى الإيمان باللّه وبما أنزله على رسله ، وأفعالهم تدلّ على كفرهم باللّه وإيمانهم بالطاغوت وإيثارهم لحكمه . ويدخل في هؤلاء كل من يتحاكم إلى الدّجالين كالعرّافين وأصحاب المندل والرمل ومدّعى الكشف والولاية . وفي الآية إيماء إلى أن من رد شيئا من أوامر اللّه أو أوامر الرسول صلى اللّه عليه وسلم فهو خارج من الإسلام ، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد ، ومن أجل هذا حكم الصحابة بردّة الذين منعوا الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم . ( وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً ) أي ويريد الشيطان أن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة ، فهم لشدة بعدهم عن الحق لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه . والخلاصة - إن الواجب على المسلمين ألا يقبلوا قول أحد ولا يعملوا برأيه في شئ له حكم في كتاب اللّه أو سنة رسوله ، وما لا حكم له فيهما فالعمل فيه برأي أولي الأمر ، لأنه أقرب إلى المصلحة . ( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ) أي وإذا قيل لأولئك الزاعمين للإيمان الذين يريدون التحاكم إلى الطاغوت : تعالوا إلى ما أنزل اللّه في القرآن لنعمل به ونحكّمه فيما بيننا ، وإلى الرسول ليحكم بيننا