أحمد مصطفى المراغي
7
تفسير المراغي
فإذا انتفى هذا المقصد انحصرت الداعية الفطرية في سفح الماء وصبه ، وذلك هو البلاء العام الذي تصطلى بناره الأمة كلها ، فإن بعض الدول الأوربية التي كثر فيها السفاح وقل النكاح بضعف الدين وقف نموها وقل نسلها وضعفت حتى اضطرت إلى الاعتزاز بمخالفة بعض الدول الأخرى . والاسترقاق المعروف في هذا العصر في بلاد السودان وبلاد الحجاز وبلاد الجراكسة غير شرعي ، وهو محرم لأن أولئك اللواتي تسترفقن حرائر من بنات المسلمين الأحرار ، فلا يجوز الاستمتاع بهن بغير عقد النكاح ، والإسلام برئ من كل هذا ، ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) أي وأىّ امرأة من النساء اللواتي أحللن لكم ، تزوجتموها فأعطوها الأجر ، وهو المهر بعد أن تفرضوه في مقابلة ذلك الاستمتاع . وسر هذا أن اللّه لما جعل للرجل على المرأة حق القيام وحق رئاسة المنزل الذي يعيشان فيه وحق الاستمتاع بها - فرض لها في مقابلة ذلك جزاء وأجرا تطيب به نفسها ويتم به العدل بينها وبين زوجها . والخلاصة - إن أي امرأة طلبتم أن تتمتعوا وتنتفعوا بتزوجها فأعطوها المهر الذي تتفقون عليه عند العقد ، فريضة فرضها اللّه عليكم ، وذلك أن المهر يفرض ويعين في عقد النكاح ويسمى ذلك إيتاء وإعطاء ، ويقال عقد فلان على فلانة وأمهرها ألفا كما يقال فرض لها ألفا ، ومن هذا قوله تعالى : « وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً » وقوله : « ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً » فالمهر يتعين بفرضه في العقد ويصير في حكم المعطى ، وقد جرت العادة بأن يعطى كله أو أكثره قبل الدخول ، ولكن لا يجب كله إلا بالدخول ، فمن طلق قبله وجب عليه نصفه لا كله ، ومن لم يعط شيئا قبل الدخول وجب عليه كله بعده . ( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) أي ولا تضييق عليكم إذا تراضيتم على النقص في المهر بعد تقديره أو تركه كله أو الزيادة فيه ، إذ ليس الغرض