أحمد مصطفى المراغي

52

تفسير المراغي

من التوراة هي التي كتبها موسى عليه السلام ففقدت ، ويؤيد هذا قوله تعالى « فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » . والخلاصة - إنهم لم يأخذوا الكتاب كله ، بل تركوا كثيرا من أحكامه لم يعملوا بها وزادوا عليها ، والزيادة فيه كالنقص منه ، فالتوراة تنهاهم عن الكذب وإيذاء الناس وأكل الربا وكانوا يفعلون ذلك ، وزاد لهم علماؤهم ورؤساؤهم كثيرا من الأحكام والرسوم الدينية فتمسكوا بها وهي ليست من التوراة ولا مما يعرفونه عن موسى عليه السلام . فالذي لم يعملوا به من التوراة قسمان : أحدهما ما أضاعوه ونسوه ، وثانيهما ما حفظوا حكمه وتركوا العمل به ، وهو كثير أيضا . ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ ) أي واللّه أعلم منكم بمن هم أعداؤكم فأنتم تظنون في المنافقين أنهم منكم وما هم منكم ، فهم يكيدون لكم في الخفاء ويغشّونكم في الجهر ، فيبرزون الخديعة في معرض النصيحة ، ويظهرون لكم الولاء والرغبة والنصرة ، واللّه أعلم بما في قلوبهم من العداوة والبغضاء . ( وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ) فهو الذي يرشدكم إلى ما فيه خيركم وفلا حكم ، وهو الذي ينصركم على أعدائكم بتوفيقكم لصالح العمل والهداية لأسباب النصر من الاجتماع والتعاون وسائر الوسائل التي تؤدى إلى القوة ، فلا تطلبوا الولاية من غيره ولا النصرة من سواه ، وعليكم باتباع السنن التي وضعها في هذه الحياة ، ومنها عدم الاستعانة بالأعداء الذين لا يعملون إلا لمصالحهم الخاصة كاليهود وغيرهم . ( مِنَ الَّذِينَ هادُوا ) هذا بيان للمراد من الذين أوتوا الكتاب بأنهم يهود ونصارى ، وقوله ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) وقوله ( وَكَفى بِاللَّهِ ) جملتان معترضتان بين البيان والمبيّن . ثم بين المراد من اشترائهم الضلالة بالهدى فقال : ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ) التحريف يطلق على معنيين : أحدهما تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له ، كما يؤوّلون البشارات التي وردت في النبي صلى اللّه عليه وسلم ويؤولون ما ورد في المسيح ويحملونه على شخص آخر ولا يزالون ينتظرونه