أحمد مصطفى المراغي

44

تفسير المراغي

وحجة عليها في انحرافها عن هدى المرسلين ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم بسيرته وأخلاقه الغالية وسننه المرضية يكون حجة على من تركها وتساهل في اتباعها ، وعلى من تغالى فيها وابتدع البدع المحدثة من بعده . روى البخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن مسعود أنه قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « اقرأ علىّ . قلت : يا رسول اللّه أقرأ عليك ، وعليك أنزل ؟ قال نعم أحب أن أسمعه من غيرى فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) إلخ فقال ( حسبك الآن ) فإذا عيناه تذرفان » . فانظر كيف اعتبر بهذه الشهادة الشهيد الأعظم صلى اللّه عليه وسلم فبكى لتذكر هذا اليوم ، وهل نعتبر كما اعتبر ونستعد لهول ذلك اليوم باتباع سنته ونجتهد في اجتناب البدع والتقاليد التي لم تكن في عهده ، وبذا نكون أمة وسطا لا تفريط عندها في الدين ولا إفراط لا في الشؤون الجسمية ولا في الشؤون الروحية ، أو نظل في غوايتنا تقليدا للآباء فنكون كما قال الكافرون « إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ » ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ) أي إذا جاء ذلك اليوم الذي نأتى فيه بشهيد على كل أمة ، يتمنى الذين كفروا وعصوا الرسول فلم يتبعوا ما جاء ، أن يصيروا ترابا تسوّى بهم الأرض فيكونوا وإياها سواء كما قال في سورة النبأ « وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً » . ( وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) أي إنهم يودون لو يكونون ترابا فتسوّى بهم الأرض ولا يكونون قد كتموا اللّه وكذبوا أمامه على أنفسهم بإنكار شركهم وضلالهم كما قال تعالى « وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ، انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ » أي فهم حينئذ يكذبون وينكرون شركهم إما اعتقادا منهم أنّ ما كانوا عليه ليس بشرك وإنما هو استشفاع