أحمد مصطفى المراغي

42

تفسير المراغي

رضي اللّه عنهما أنه أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال كل واحدة من هؤلاء ذرة ، والظلم : النقص كما قال تعالى : « كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً » ومن لدنه : من عنده ، والحديث الكلام . المعنى الجملي بعد أن بيّن عز اسمه صفات المتكبرين وسوء أحوالهم وتوعدهم على ذلك بأشد أنواع الوعيد - زاد الأمر توكيدا وتشديدا فذكر أنه لا يظلم أحدا من العاملين بوصاياه لا قليلا ولا كثيرا ، بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم ، وفي هذا أعظم الترغيب لفاعلى البر والإحسان وحفز لهممهم على العمل ، وفي معنى الآية قوله : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ » . الإيضاح ( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) أي إنه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله ، والجزاء عليه شيئا ما وإن صغر كذرة الهباء بل يوفيه أجره ، كما لا يعاقبه بغير استحقاق للعقوبة ، إذ أن الثواب والعقاب تابعان لتأثير الأعمال في النفس بتزكيتها أو تدسيتها ، فالعمل يرفعها إلى أعلى عليين أو يهبط بها إلى أسفل سافلين ، ولذلك درجات ومثاقيل مقدّرة في نفسها لا يحيط بدقائقها إلا من أحاط بكل شئ علما . والخلاصة - إن الظلم لا يقع من اللّه تعالى لأنه من النقص الذي يتنزه عنه وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم ، وقد خلق للناس مشاعر يدركون بها ما لا يدركه الحس ، وشرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هدايتهم وحفظ مصالحهم ، وهي تسوق إلى الخير وتصرف عن الشر وأيدها بالوعد والوعيد ، فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه كان هو الظالم لنفسه لأن اللّه لا يظلم أحدا .