أحمد مصطفى المراغي
35
تفسير المراغي
إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ، وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ، رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً » والخلاصة - إن العبرة بما في نفس الولد من قصد البر والإحسان والإخلاص فيه ، بشرط ألا يحدّ الوالدان من حرية الولد واستقلاله في شؤونه الشخصية أو المنزلية ولا في الأعمال الخاصة بدينه ووطنه ، فإذا أراد أحدهما الاستبداد في شئ من ذلك ، فليس من البر العمل برأيهما اتباعا لهواهما . ( وَبِذِي الْقُرْبى ) أي وأحسنوا معاملة أقرب الناس إليكم بعد الوالدين ، وإذا أدى المرء حقوق اللّه فصحت عقيدته وصلحت أعماله ، وقام بحقوق الوالدين ، صلح البيت وحسن حال الأسرة ، وإذا صلح البيت كان قوة كبيرة ، فإذا عاون أهله ذوى القربى الذين ينسبون إليهم كان لكل منهم قوة أخرى تتعاون مع هذه الأسرة ، وبذا تتعاون الأمة جمعاء ، وتمدّ يد المعونة لمن هو في حاجة إليها ممن ذكروا بعد في قوله : ( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ) لأن اليتيم قد فقد الناصر والمعين وهو الأب ، وقلّما تستطيع الأم مهما اتسعت معارفها أن تقوم بتربيته تربية كاملة ، فعلى القادرين أن يعاونوا في تربيته ، وإلا كان وجوده جناية على الأمة لجهله وفساد أخلاقه وكان خطرا على من يعاشرهم من لداته وجرثومة فساد بينهم . وكذلك المساكين لا ينتظم حال المجتمع إلا بالعناية بهم وصلاح حالهم ، وإلا كانوا وبالا عليه . وهم ضربان : مسكين معذور تجب مواساته ، وهو من كان سبب عدمه الضعف والعجز أو نزول آفات سماوية ذهبت بماله ، ومثل هذا يجب عونه بمساعدته بالمال الذي يسدّ عوزه ويستعين به على الكسب .