أحمد مصطفى المراغي

187

تفسير المراغي

إذ هم بمخادعتهم للرسول إنما يخادعون اللّه ، وعظم شأن المقصود بالخداع ، وهو الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأن معاملته بذلك كمعاملة اللّه به . ( وَهُوَ خادِعُهُمْ ) أي مجازيهم على خداعهم ، وسمى ذلك مخادعة مشاكلة للفظ الأول ، ونظيره « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ » وإنما جعل كذلك لأنه قد استعمل في المعاني المذمومة التي تتضمن الكذب أو تدل على ضعف صاحبها وعجزه غالبا . وخلاصة المعنى - إنه عبر عن سنة اللّه في عاقبة أمرهم في العاجل والآجل من حيث إنها جاءت على غير ما يحبون بلفظ مأخوذ من المخادعة ، إذ أنهم بمخادعتهم للرسول والمؤمنين يسيرون في طريق يضلّون فيه وينتهون إلى الخزي والوبال من حيث هم يطلبون السلامة والنجاة ، فمخادعتهم لأنفسهم بسوء اختيارهم لها هو مخادعة اللّه لهم ، إذ جرت سنته تعالى فيمن يعمل مثل عملهم أن يلاقى الخزي في الدنيا والنكال في الآخرة ، وهكذا حال المنافقين في كل أمة وملة يخادعون ويكذبون ، ويكيدون ويغشّون ، ويتولون أعداء أمتهم يبتغون بذلك يدا عندهم يمتون بها إليهم إذا دالت دولتهم ، وكتب التاريخ ملأى بأخبار هؤلاء الأشرار ، ويكثر عددهم في الأمم في أطوار الضعف وقوة الأعداء ، إذ هم طلاب منافع يلتمسونها من كل فج ، ويسلكون لها كل طريق ، ولو فيما يضر أمتهم والناس أجمعين ، وقد روى عن ابن عباس أنه قال : خداعه تعالى لهم أن يعطيهم نورا يوم القيامة يمشون به مع المسلمين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم وبقوا في ظلمة ، ودليله قوله تعالى « كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » . ( وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ) أي متباطئين متثاقلين ليست لديهم رغبة تبعثهم على عمل ، ولا نشاط يدفعهم على فعل ، لأنهم لا يرجون ثوابا في الآخرة ، ولا يخشون عقابا إذ لا إيمان لهم ، وإنما يخشون الناس ، فإذا كانوا بمعزل عن المؤمنين