أحمد مصطفى المراغي

167

تفسير المراغي

من الوسطاء والشفعاء ، ولا يرى في الوجود إلا هو ، ويعتقد أنه سبحانه ربط الأسباب بالمسببات ، فلا يطلب شيئا إلا من خزائن رحمته ، ولا يأتي بيوت هذه الخزائن إلا من مسالكها ، وهي السنن والأسباب التي سنها في الخليقة . وهو مع هذا الإيمان الكامل والتوحيد الخالص ، محسن للعمل متحلّ بأحسن الأخلاق والفضائل . وقد عبر عن توجه القلب بإسلام الوجه ، لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من إقبال وإعراض ، وسرور وكآبة ، وما فيه هو الذي يدل على ما في السريرة . ( وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) أي واتبع إبراهيم في حنيفيته التي كان عليها ، بميله عن الوثنية وأهلها ، وتبريه مما كان عليه أبوه وقومه منها ، قال تعالى : « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » . ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ) أي اصطفاه اللّه لإقامة دينه في بلاد غلبت عليها الوثنية ، وأفسد الشرك عقول أهلها ، وقد بلغ من الزلفى عند ربه ما صح به أن يسمى خليلا ، فقد اختصه بكرامة ومنزلة تشبه الخليل لدى خليله ، ومن كانت له هذه المنزلة كان جديرا أن تتّبع ملّته وتأتسي طريقته . والخلاصة - إنه منّ عليه بسلامة الفطرة وقوة العقل وصفاء الروح وكمال المعرفة وفنائه في التوحيد . ثم ذكر ما هو كالعلة لما سبق بقوله : ( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) أي إن كل ما في السماوات والأرض ملك له ومن خلقه ، مهما اختلفت صفات المخلوقات ، فجميعها مملوكة عابدة له خاضعة لأمره . ( وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ) إحاطة قهر وتسخير ، وإحاطة علم وتدبير ، وإحاطة وجود ، لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها ولا هي ابتدعت نفسها بل وجودها