أحمد مصطفى المراغي
150
تفسير المراغي
( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ) أي يا هؤلاء أنتم جادلتم عنهم وحاولتم تبرئتهم في الحياة الدنيا ، فمن يجادل اللّه عنهم يوم القيامة ، يوم يكون الخصم والحاكم هو اللّه تعالى المحيط بأعمالهم وأحوالهم وأحوال الخلق كافة ؟ أي فلا يمكن أن يجادل هناك أحد عنهم ولا أن يكون وكيلا بالخصومة لهم ، فعلى المؤمنين أن يراقبوا اللّه تعالى في مثل ذلك ولا يظنوا أن من أمكنه أن ينال الفوز والحكم له وأخذه من قضاة الدنيا بغير حق ، يمكنه أن يظفر به في الآخرة « يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ » . في الآية إيماء إلى أن حكم الحاكم في الدنيا لا يجيز للمحكوم له أن يأخذ به إذا علم أنه حكم له بغير حقه ، كما أن فيها توبيخا وتقريعا لأولئك الذين أرادوا مساعدة بنى أبيرق على اليهودي . ثم رغب في التوبة من الذنوب وحث عليها فقال : ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ) أي ومن يعمل قبيحا يسوء به غيره ، أو يظلم نفسه بفعل معصية تختص به كالحلف الكاذب يجد اللّه غفارا لذنوبه ، رحيما متفضلا عليه بالعفو والمغفرة . وفي ذلك حث وترغيب لطعمة وقومه في التوبة والاستغفار ، كما أن فيها بيانا للمخرج من الذنب بعد وقوعه ، وفيها تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدمهما ، وهما أسس الشرائع . والمراد بوجدان اللّه غفورا رحيما : هو أن التائب المستغفر يجد أثر المغفرة في نفسه بكراهة الذنب وذهاب داعيته ويجد أثر الرحمة بالرغبة في الأعمال الصالحة التي تطهر النفس وتزيل الدّرن منها . ثم حذر من فعل الذنوب والآثام وذكر عظيم ضرها فقال : ( وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ ) أي ومن يعمل الإثم وير أنه قد كسبه وانتفع به فإنما كسبه وبال على نفسه وضرر لا نفع له فيه ، كما يخطر على بال من يجهل عواقب الآثام في الدنيا والآخرة ، من فضيحة للآثم ومهانة له بين الناس وعند الحاكم