أحمد مصطفى المراغي
122
تفسير المراغي
( وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) وهم الذين عاهدوكم على السلم لا يقاتلونكم ولا تقاتلونهم كما هو حال الدول في العصر الحاضر يعقد بعضهم معاهدات ومواثيق مع بعض آخر ألا يقاتلوهم ولا يساعدوا عليهم عدوا . ( فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) أي فالواجب في قتل المعاهد كالواجب في قتل المؤمن دية إلى أهله تكون عوضا عن حقهم ، وعتق رقبة مؤمنة تكون كفارة عن حق اللّه الذي حرم قتل المعاهد كما حرم قتل المؤمن ، ولم يعين هذه الدية للإشارة إلى أن للعرف العام والخاص حكمه ولا سيما إذا ذكر ذلك في عقد الميثاق الذي بينهما ، لأن هذا النص يكون أقطع لعرق النزاع وأجدر بالتراضي . وقد اختلف الفقهاء في دية غير المسلمين لاختلاف الرواية في ذلك ، روى أحمد والترمذي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « عقل ( دية ) الكافر نصف دية المسلم » وروى عن أحمد « أن ديته كدية المسلم إن قتل عمدا وإلا فنصف ديته » وذهب الزهري وأبو حنيفة إلى أن ديته كدية المسلم لظاهر الآية في أهل الميثاق وهم المعاهدون وأهل الذمة ؛ وعلى الجملة فالروايات متعارضة ومن ثم اختلف فيها الفقهاء . وظاهر الآية يدل على أن الدية على القاتل ولكن السنة بينت أن العاقلة ( العائلة ) وهم عصبته الأقربون هم الذين يدفعون الدية . وحكمة هذا تقرير التضامن بين الأقربين ، وإذا عجزت العاقلة عن دفعها جعلت في بيت المال ( وزارة المالية ) . ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ) أي فمن لم يجد رقبة يعتقها بأن لم يجد مالا يشتريها به من مالكها ليحررها من الرق ، أو لم يجد رقيقا ( وهذا مقصد من مقاصد الإسلام ) فعليه صيام شهرين متتابعين قمريين لا يفصل بين يومين منهما إفطار في النهار ، فإن أفطر يوما بغير عذر شرعي استأنفه وكان ما صامه قبل كأن لم يكن . ( تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ) أي قد شرعها لكم ، ليتوب عليكم ويطهر نفوسكم من التهاون وقلة التحري التي تفضى إلى القتل الخطأ .