أحمد مصطفى المراغي
118
تفسير المراغي
وقال الرازي : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على ألا يعينه ولا يعين عليه ، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال . ثم بين سبحانه حال جماعة آخرين وبالغ في ذمهم فقال : ( سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ) هؤلاء فريق ممن لم يهتدوا بالإسلام ولم يتصدوا إلى مجالدة أهله وقتالهم فكانوا مذبذبين بين المؤمنين والكافرين ، فهم قد غلت عليهم أرواحهم ، ورخصت عليهم عقولهم ، يظهرون لكل من الفئتين أنهم منهم أو معهم ؛ وقد روى عن مجاهد أن ناسا كانوا يأتون النبي صلى اللّه عليه وسلم فيسلمون رياء ، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان ، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا . ( كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ) أي كلما دعوا إلى الشرك ( كما روى عن السدى ) أركسوا فيه وتحولوا إليه أقبح تحول ، فهم يريدون أن يأمنوا جانب المسلمين . إما بإظهار الإسلام ، وإما بالعهد على السلم وترك القتال ثم يفتنهم المشركون أي : يحملونهم على الشرك أو على مساعدتهم على قتال المسلمين ، فيرتكسون ويتحولون شر التحول معهم ، وهكذا يفعلون ذلك المرة بعد المرة ، فهم قد مردوا على النفاق . وقد بين اللّه حكمهم بقوله : ( فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) أي فإن لم يعتزلوكم ويتركوكم وشأنكم ويلتزموا الحياد ويلقوا إليكم السلم : أي زمام المسالمة على الطريق التي ترونها نافعة لكم ، ويكفوا أيديهم عن القتال مع المشركين أو عن الدسائس - فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم فلا علاج لهم غير ذلك كما ثبت بالتجارب والاختبار . ( وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) أي وأولئكم جعلنا لكم عليهم حجة واضحة ، وبرهانا ظاهرا على قتالهم .