أحمد مصطفى المراغي

107

تفسير المراغي

المعنى الجملي بعد أن أمر سبحانه بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب ، وذكر قلة رغبة المنافقين فيه ، وسعيهم في تثبيط المسلمين عنه ، عاد هنا إلى الأمر به مرة أخرى . الإيضاح ( فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي وإذا أردت الفوز والظفر على الأعداء فقاتل في سبيل اللّه امتثالا لأمره ، وأنت لا تكلف إلا أفعال نفسك دون أفعال الذين قالوا : لم كتبت علينا القتال ؟ والذين يقولون : لك طاعة ويبيتون غير ذلك ، فمن أطاع اللّه لا يضيره عصيان من عصاه ، وعليك أن تحث غيرك على القتال وتحرضه عليه ، لا أن تلزمه ذلك بالقهر والجبروت . وفي الآية إيماء إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم كلّف قتال الكافرين الذين قاوموا دعوته بقوتهم وبأسهم وإن كان وحده ، كما أنها تدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم أعطى من الشجاعة ما لم يعط أحد من العالمين ، وفي سيرته الشريفة أصدق الأدلة على ذلك ، فقد تصدى لمقاومة الناس جميعا بدعوتهم إلى ترك ما هم عليه من الضلال ، وحين قاتلوه قاتلهم ، وقد انهزم عنه أصحابه في أحد فبقى ثابتا كالجبل لا يتزلزل . ( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) عسى هنا للتهيئة والإعداد فهي بمعنى الخبر والوعد ، وخبره تعالى حق فإنه لا يخلف الميعاد . والمعنى - إن تحريض النبي للمؤمنين على القتال معه هو الذي يحملهم بباعث الإيمان والإذعان النفسي على الاستعداد له وتوطين النفس عليه ، بينما هو يعدّ الكافرين لترك الاعتداء على المؤمنين وكف بأسهم عنهم ، إذ لا شئ أدعى إلى ترك القتال من الاستعداد للقتال كما قال أبو تمام : وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم * إن الدم المغبر يحرسه الدم