أحمد مصطفى المراغي

102

تفسير المراغي

( وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ) لمن توكل عليه ، فهو قادر على إيقاع الجزاء بهم ، وعليم بمقدار ما يستحقون منه ، لا يعجزه منه شئ . ( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) أصل التدبر التأمل في أدبار الأمور وعواقبها ، ثم استعمل في كل تأمل سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه ، أو سوابقه وأسبابه ، أو لواحقه وأعقابه ، وتدبر الكلام هو النظر والتفكر في غاياته ومقاصده التي يرمى إليها ، وعاقبة من يعمل به ومن يخالفه . أي أجهل هؤلاء القوم حقيقة الرسالة وكنه هذه الهداية فلا يتدبرون القرآن الذي يدل على حقيقتها ؟ ولو تدبروه لعرفوا أنه الحق من ربهم وأن ما وعد به المتقين الصادقين وما أنذر به الكافرين والمنافقين واقع لا محالة ، فهو إذ صدق في الإخبار عما يبيتون في أنفسهم من القول يصدق كذلك فيما أخبر عن سوء مصيرهم والوبال والنكال في عاقبتهم . ( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) أي ولو كان من عندك لا من عند اللّه الذي أرسله به لوجدوا فيه اختلافا كثيرا لأسباب كثيرة : 1 ) أن أي مخلوق لا يستطيع تصوير الحقائق كما صورها القرآن بلا اختلاف ولا تفاوت في شئ منها . 2 ) أنه حكى عن الماضي الذي لم يشاهده محمد صلى اللّه عليه وسلم ولم يقف على تاريخه ، وعن الآتي فوقع كما أنبأ به ، وعن الحاضر فأخبر عن خبايا الأنفس ومكنونات الضمائر كما أخبر عما بيتته هذه الطائفة مخالفا لما تقول للرسول أو ما يقوله لها فتقبله في حضرته وترفضه في غيبته . 3 ) أن أحدا لا يستطيع أن يأتي بمثله في بيان أصول العقائد وقواعد الشرائع وسياسة الشعوب والقبائل مع عدم الاختلاف والتفاوت في شئ من ذلك . 4 ) أن أحدا لا يستطيع أن يأتي بمثله في سنن الاجتماع ونواميس العمران وطبائع الملل والأقوام مع إيراد الشواهد وضرب الأمثال وتكرار القصة الواحدة بالعبارات