أحمد مصطفى المراغي

6

تفسير المراغي

غليظ الرقبة يقاوم الرب ) وقد روى أنهم لم يجرءوا على الإتيان بها ، وفلجت حجة القرآن . وفي هذا أكبر دليل على إثبات نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، إذ هو قد علم أن ما في التوراة يدل على كذبهم ، وهو لم يقرأها ولا قرأ غيرها من كتب الأولين ، فهذا العلم لم يكن إلا بوحي من اللّه . ( فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) أي فمن اخترع الكذب على اللّه وزعم أن التحريم كان على الأنبياء السابقين وأممهم قبل نزول التوراة - بعد أن ظهرت له الحجة بأن التحريم إنما كان بسبب ما ارتكب الشعب من الذنوب والخطايا ، وبعد أن طولب المدعون بالإتيان بالتوراة وتلاوتها ، فامتنعوا لئلا يظهر كذبهم ، وأن اللّه لم يحرم شيئا قبل نزولها - فأولئك هم الظالمون لأنفسهم المستحقون لعذاب اللّه ، لأنهم قد حولوا الحق عن وجهه ، ووضعوا حكم اللّه في غير موضعه ، فضلوا وأضلوا أشياعهم بإصرارهم على الباطل ، وعدم تصديقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ) فيما أنبأني به من أن سائر الأطعمة كانت حلالا لبنى إسرائيل ، وأنها إنما حرمت على اليهود جزاء أفعالهم القبيحة ، وبذا قامت عليكم الحجة ، وثبت أنى مبلغ عنه ، إذ ما كان في استطاعتي لولا الوحي أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون عن أنبيائكم . ( فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) أي وإذ قد استبان لكم أن ما يدعوكم إليه محمد صلى اللّه عليه وسلم هو من ملة إبراهيم ، فعليكم أن تتبعوه في استباحة أكل لحوم الإبل وألبانها ، وملته حنيفية سمحاء لا إفراط فيها ولا تفريط . ( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) الذين يدعون مع اللّه إلها آخر ، أو يعبدون سواه ، كما فعله العرب من عبادة الأوثان ، وفعله اليهود من ادّعائهم أن عزيرا ابن اللّه ، وفعله النصارى من اعتقادهم أن المسيح ابن اللّه .