أحمد مصطفى المراغي

24

تفسير المراغي

لمن يريد الخير والفلاح ، وقد روى « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن خير الناس ؟ فقال : آمرهم بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر ، وأتقاهم للّه ، وأوصلهم للرحم » . و عنه أنه قال : « والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ، ولتنهونّ عن المنكر ، أو ليوشكنّ اللّه أن يبعث عليكم عذابا من عنده ، ثم لتدعنّه فلا يستجاب لكم » . و عن علىّ كرم اللّه وجهه : أفضل الجهاد الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، ومن غضب للّه غضب اللّه له . وبعد أن أمر سبحانه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، بيّن ما يجب أن تكون عليه الأمة الداعية ، الآمرة الناهية ، من وحدة المقصد ، واتحاد الغرض ، لأن الذين سبقوهم من الأمم لم يفلحوا لاختلاف نزعاتهم ، وتفرق أهوائهم ، لأن كلا منهم يذهب إلى تأييد رأيه ، وإرضاء هواه . أما المتفقون في القصد ، فاختلافهم في الرأي لا يضيرهم ، بل ينفعهم إذ هو أمر طبيعي لا بد منه لتمحيصه ، وتبين وجوه الصواب فيه ، ومن ثم قال تعالى : ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) أي ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين تفرقوا في الدين وكانوا شيعا ، تذهب كل شيعة منها مذهبا يخالف مذهب الآخر ، وتنصر مذهبها وتدعو إليه ، وتخطّئ ما سواه ، ولذا تعادوا واقتتلوا . ولو كان فيهم أمة تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتعتصم بحبل اللّه وتتجه إلى غاية واحدة لما تفرقوا ولا اختلفوا فيه ، ولما تعددت مذاهبهم في أصوله وفروعه ، وما قاتل بعضهم بعضا - فلا تكونوا مثلهم فيحل بكم ما حل بهم . وبعدئذ ذكر عاقبة المختلفين وعظيم نكالهم فقال : ( وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) وهذا العذاب يشمل خسران الدنيا ، وخسران الآخرة ، أما في الدنيا فلأن بأسهم يكون بينهم شديدا ، فيشقى بعضهم ببعض ، ويبتلون بالأمم التي تطمع في الضعفاء ، وتذيقهم الخزي والنكال ، وأما في الآخرة فعذاب اللّه أشد وأبقى .