أحمد مصطفى المراغي
12
تفسير المراغي
صلى اللّه عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من جماعهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان منهم من العداوة في الجاهلية فقال : قد اجتمع ملأ بنى قيلة ( الأوس والخزرج ) بهذه البلاد ، واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار : فأمر فتى شابا من اليهود - وكان معه - فقال اعمد إليهم فاجلس معهم وذكّرهم يوم بعاث ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ففعل ( وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، وكان الظفر للأوس على الخزرج ) فقيل ، فتكلم القوم عند ذلك ، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحي على الركب ( أوس بن قيظى أحد بنى حارثة بن الحارث من الأوس ، وجبّار بن صخر أحد بنى سلمة من الخزرج ) فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم واللّه رددناها جذعة ( شابة فتية ، يعنون الحرب ) وغضب الفريقان وقالوا قد فعلنا ، السلاح السلاح ، موعدكم الظاهرة ( هي الحرّة ، وهي أرض مستوية بظاهر المدينة ) فخرجوا إليها ، وتجاوب الناس ، فانضمت الأوس بعضها إلى بعض ، والخزرج بعضها إلى بعض ، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ، اللّه اللّه ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم اللّه إلى الإسلام وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف بين قلوبكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ؟ . فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فألقوا السلاح من أيديهم ، وبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سامعين مطيعين ، قد أطفأ اللّه عنهم كيد عدو اللّه شاس بن قيس وما صنع . وأنزل اللّه فيه ( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ) إلى آخر الآيتين