أحمد مصطفى المراغي
31
تفسير المراغي
( وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) أي إنه تعالى لا ينحصر فضله ، ولا يحد عطاؤه ، وهو عليم بمن يستحق هذه المضاعفة كالمنفقين في إعلاء شأن الحق ، وتربية الأمم على آداب الدين وفضائله التي تسوقهم إلى سعادة المعاش والمعاد ، حتى إذا ما ظهرت آثار ذلك في قوة ملتهم وسعادة أمتهم جنوا من ذلك أجلّ الفوائد وعاد ذلك عليهم بالخير الوفير . ولنعتبر بما نراه في الأمم العزيزة الجانب التي ينفق أفرادها في إعلاء شأنها بنشر العلوم والمعارف وتأليف الجماعات الخيرية التي تقوم بها المصالح العامة ، ولنوازن بين هؤلاء وبين كبراء الأمم التي ضعفت وذلت بإهمال الإنفاق في المصالح العامة ، نر صعاليك الأولين ذوى عزة ومنعة لا يجاريهم فيها ثراة الآخرين . هذا وإن الناس بمقتضى الفطرة يقتدى بعضهم ببعض ، فمن بذل شيئا في سبيل المصلحة العامة كان قدوة لمن يبذل بعده ، فالناس يتأسى بعضهم ببعض من حيث لا يشعرون . والفضل الأكبر للسابقين الأولين في عمل الخير ، فهم الذين يضعون الأسس لعمل الخير ، فهم الفائزون برضوان اللّه ، ولهم أجرهم وأجر من اقتدى بهم أخرج الترمذي وأبو داود أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من سنّ في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ، ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » . ثم بين ثواب الإنفاق في الآخرة بعد بيان منافعه في الدنيا فقال : ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) أي إن الذين يبذلون أموالهم يبتغون بذلك مرضاة ربهم ، ولا يتبعون ذلك بمنهم على من أحسنوا إليهم ولا بإيذائهم ، لهم عند ربهم ثواب لا يقدر قدره ، ولا خوف عليهم حين يخاف الناس وتفزعهم الأهوال ، ولا هم يحزنون حين يحزن الباخلون الممسكون عن الإنفاق في سبيل اللّه ، إذ هم أهل السكينة والاطمئنان والسرور الدائم .