أحمد مصطفى المراغي

27

تفسير المراغي

وفي إرشاد إبراهيم خليله تأديب لعامة المؤمنين ، ومنع لهم عن التذكر في كيفية الخلق والتكوين ، فإن هذا مما استأثر اللّه تعالى بعلمه . وليس في سؤال إبراهيم ما يشعر بالشك ، فالإنسان قد جبل على طلب المزيد في العلم والرغبة في الوقوف على أسرار الخليقة ، وأكمل الناس علما أشدهم رغبة في طلب الوقوف على المجهولات . فطلب إبراهيم رؤية كيفية إحياء الموتى طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه من معرفة خفايا أسرار الربوبية ، لا طلب للطمأنينة بالبعث إذ قد عرفه بالوحي والدليل . وإنا الآن لا نؤمن بأمور كثيرة إيمانا يقينيا ولا نعرف كيفيتها ، ونودّ لو نعرفها ، فهذا الأثير ( التلغراف اللاسلكى ) ينقل أخبار العالم في لحظة ، ولا نعرف كيفية ذلك ، بل أكثر من ذلك نقل الصور بالتلغراف من الأقطار النائية ، والقارات البعيدة ، ومثله أصوات المذياع ( الراديو ) التي تنشر في جميع أقطار العالم بكل اللغات ، وتسمع في أرجاء المعمورة ، ولا يعرف كثير من الناس كيف تصل إليهم . ثم بين سبحانه أنه أجابه إلى ما طلب . ( قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي إن إبراهيم بعد أن طلب من ربه أن يطلعه على كيفية إحياء الموتى - أمره ربه أن يأخذ أربعة من الطير ، فيقطعهنّ أجزاء ، ثم يفرقها على عدة جبال بحضرته وأرضه ، ثم يدعوها فتجيبه مسرعة - والطير أشد الحيوان نفورا من الإنسان غالبا - وقد فعل إبراهيم ذلك . قال المرحوم النطاسي عبد العزيز باشا إسماعيل في رسالته ( الإسلام والطب الحديث ) أثناء كلامه في المعجزات التي وقعت على أيدي الأنبياء ليتجلى لك ما ربما غاب عن فكرك ، وندّ عن بالك ، وتفهم ذلك حقّ الفهم قال : المعجزات كلها من صنع اللّه مباشرة ، ومعناها سنة جديدة ، بخلاف ما نراه يوميا من عظة وعظمة كالولادة ونموّ الحيوان والنبات ، فإنه مع إعجازه يأتي مطابقا لقواعد