أحمد مصطفى المراغي
23
تفسير المراغي
عملت تقرب بيان إمكانه من أذهان الذين يعسر عليهم أن يميزوا بين ما هو مستبعد لعدم إلفه في مجرى العادة ، وما هو محال لا يقبل الثبوت لذاته ، ولم يتسنه : أي لم يتغير ولم يفسد ، من قولهم تسنه الشيء مرت عليه السنون والأعوام ، وآية : علامة دالة على قدرة اللّه ، وننشزها : أي نرفعها من الأرض ونردها إلى أماكنها من الجسد . المعنى الجملي بعد أن ذكر محاجة إبراهيم لذلك الكافر وإلزامه الحجة ، بإثباته أن لهذا الكون إلها قادرا على كل شئ ، واحدا لا شريك له في الملك والتدبير ، ذكر هنا ما يدل على إثبات البعث والنشور ، ويرشد إلى هداية اللّه للمؤمنين ، وإخراجهم من ظلمات الشبه إلى نور اليقين ، ولا غرابة في وقوع الشبهة للمؤمن ثم طلبه المخرج منها بالدليل والبرهان ، فيهديه اللّه بما له من الولاية والسلطان على نفسه ، ويخرجه من الحيرة التي تعرض له إلى الطمأنينة التي تثلج قلبه وتملؤه بردا ويقينا . الإيضاح ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) أي أرأيت مثل الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها ، أي ما رأيت مثله فتعجب منه ، لأن حاله بلغت من الغرابة حدّا لا يرى لها مثل . ( قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ) أي قال : كيف يعمر اللّه هذه القرية بعد خرابها ؟ ومراده بذلك استبعاد عمرانها بالبناء والسكان بعد أن خربت وتفرّق أهلها . ( فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) أي فجعله اللّه فاقد الحسّ والحركة دون أن تفارق الروح البدن ، ثم أعاده إلى ما كان عليه أوّلا . ( قالَ كَمْ لَبِثْتَ ؟ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى