أحمد مصطفى المراغي
13
تفسير المراغي
أن يغيّر ما مضت به سنته ، وقضت به حكمته ، وأوعدت به شريعته ، من تعذيب ذوى العقائد الباطلة ، والأخلاق السافلة الذين أفسدوا في الأرض ، وانحرفوا عن جادة الدين إلا إذا أذن له ربه ، ونحو هذا قوله . « يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ » . وهذا تمثيل لانفراده بالملك والسلطان في ذلك اليوم ، وأن أحدا من عباده لا يجرؤ على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه - وإذنه غير معروف لأحد من خلقه - وفي ذلك قطع لأمل الشافعين ، والذين يركنون إلى الشفاعة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب . ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) أي يعلم أمور الدنيا التي خلفوها ، وأمور الآخرة التي يستقبلونها . وهذه الجملة مؤكدة لنفى الشفاعة ، إذ من كان عالما بكل شئ فعله العباد في الماضي وفيما هو حاضر بين أيديهم وفيما يستقبلهم ، وكان ما يجازيهم به مبنيا على هذا العلم ، كانت الشفاعة على هذا النحو المعروف ، مما يستحيل عليه تعالى ، لأنها لا تتحقق إلا بإعلام الشفيع المشفوع عنده من أمر المشفوع له وما يستحقه ما لم يكن يعلم . وما ورد من أحاديث الشفاعة ، فهو محمول على الدعاء الذي يفعل اللّه تعالى عقبه ما سبق في علمه الأزلي أنه سيفعله ، مع أنا نقطع بأن الشافع لا يغيّر شيئا من علمه ، ولا يحدث تأثيرا في إرادته ، وبذلك تظهر كرامة اللّه لعبده بما أوقع من الفعل عقب دعائه ، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية . ( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) أي إن أحدا من خلقه لا يحيط بما يعلمه إلا إذا شاء ذلك ، والشفاعة تتوقف على إذنه تعالى ، وإذنه لا يعلم إلا بوحي منه ، وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه ، فمن بيّن أنه مستحق لعقابه ، فلا يجرؤ أحد أن يدعو له بالنجاة ، ومن بيّن أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألمّ بها