أحمد مصطفى المراغي

33

تفسير المراغي

في اللعنة لا يخفف عنهم من العذاب شيء ولا يقبل منهم فدية ولا تنفعهم شفاعة . وهنا ذكر أن شارع الدين واحد لا معبود سواه ، ولا ينبغي أن تكتم هدايته للبشر وهو مفيض الرحمة والإحسان ، ليتذكر أولئك الذين يكتمون البينات ، المؤثرون آراء رؤسائهم وأحبارهم ، ثقة بهم ، واعتمادا على شفاعتهم ، إنهم لن يغنوا عنهم من اللّه شيئا وإنهم مخطئون في كتمان الحق ومعاداة أهله . الإيضاح ( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ) أي وإلهكم الحقيق بالعبادة إله واحد ، فلا تشركوا به أحدا . والشرك به ضربان : ( 1 ) شرك في الألوهية والعبادة ، بأن يعتقد المرء أن في الخلق من يشارك اللّه أو يعينه في أفعاله ، أو يحمله على بعضها ويصدّه عن بعض ، فيتوجه إليه في الدعاء عندما يتوجه إلى اللّه ، ويدعوه معه ، أو يدعوه من دون اللّه ، ليكشف عنه ضرا أو يجلب له نفعا . ( 2 ) شرك به في الربوبية ، بأن يسند الخلق والتدبير إلى غيره معه ، أو أخذ أحكام الدين من عبادة وتحليل وتحريم من غير كتبه ووحيه الذي بلّغه عنه الرسل ، استنادا إلى أن من يؤخذ عنهم الدين ، هم أعلم بمراد اللّه ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » . فواجب علماء الدين أن يبينوا للناس ما نزله اللّه ولا يكتموه ، لا أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه ، كما فعل من قبلهم من أهل الكتب المنزلة ، حين زادوا على الوحي أحكاما كثيرة من تلقاء أنفسهم ، وخالفوا ما نزل بتأويلات وتعسفات بعيدة عن روح الدين وسرّه . واللّه هو الرّحمن الرّحيم الذي وسعت رحمته كل شيء ، فحسب المرء أن يرجوها