أحمد مصطفى المراغي

31

تفسير المراغي

ولا لسان ، يكون ممن يستحق وعيد الآية ، وقد لعن اللّه الذين كفروا من بني إسرائيل وبين سبب لعنهم بقوله : « كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ » فمنه ترى أن الأمة كلها قد لعنت لتركها التناهي عن المنكر ، فيجب إذا أن تكون في الأمة جماعة تقوم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما قال : « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » . ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) أي إلا من أناب عن كتمانه ، وراجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وأقر بنبوته ، وصدّق ما جاء به من عند اللّه ، وأصلح حال نفسه بالتقرّب إلى اللّه بصالح الأعمال ، وبيّن ما علم من وحي اللّه إلى أنبيائه ، وما عهد إليهم في كتبه ، فلم يكتمه ولم يخفه ، فهؤلاء يتوب اللّه عليهم ويفيض عليهم مغفرته تفضلا منه ورحمة ، وهو الذي يرجع قلوب عباده المنصرفة عنه ويردها إليه بعد إدبارها عن طاعته ، وهو الرّحيم بالمقبلين عليه يتغمدهم برحمته ويشملهم بعفوه ، ويصفح عما كانوا اجترحوا من السيئات . وفي الآية ترغيب للقلوب الواعية التي تخاف سخط اللّه وشديد عقابه ، في التوبة عما فرط من الذنوب ، وطرد لليأس من رحمة اللّه مهما ثقلت الذنوب وكثرت الآثام كما قال : « يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً » . ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) بعد أن ذكر في الآية السالفة أن الكافرين الذين كتموا الحق يستحقون اللعن ، ثم أخرج من بينهم جماعة التائبين ، ذكر في هذه الآية وما بعدها أن اللعن الأبدىّ الذي يلزمه الخلود في دار الذل والهوان ، لا يكون إلا إذا مات صاحبه على الكفر ، وحينئذ تسجل عليه اللعنة من اللّه والملائكة والناس جميعا ، ومن بينهم أهل مذهبه ، فإنهم إذا