أحمد مصطفى المراغي

25

تفسير المراغي

إن العين لتدمع ، وإن القلب ليجزع ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون . والجزع المذموم هو الذي يدعو صاحبه إلى فعل ما يمجّه العقل وينهى عنه الشرع ، مما نرى مثله عند الجماهير إذا حلّت بهم المصائب ، ونزلت بهم الكوارث . روى مسلم عن أم سلمة رضى اللّه عنها أنها قالت : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، اللهمّ آجرني في مصيبتى ، وأخلف لي خيرا منها ، إلا آجره اللّه في مصيبته ، وأخلف له خيرا منها » . و أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من استرجع عند المصيبة ، جبر اللّه مصيبته ، وأحسن عاقبته ، وجعل له خلفا صالحا يرضاه » . وفي قوله : « إِنَّا لِلَّهِ » إقرار بالعبودية والملك ، وفي قوله : « وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » إقرار بالفناء والبعث من القبور ، واليقين بأن مرجع الأمر كله للّه تعالى . ( أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) أي أولئك الصابرون لهم من ربهم مغفرة ومدح على ما فعلوا ، ورحمة يجدون أثرها في برد القلوب عند نزول المصيبة . وهذه الرحمة يحسد عليها الكافرون المؤمنين ، فإن الكافر الذي حرم من هذه الرحمة ، إذا نزلت به المصيبة تضيق به الأرض بما رحبت ، حتى لقد يقضى على نفسه بيده إذا لم يجد وسيلة للخلاص مما حلّ به ( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) إلى الحق والصواب ، ومن ثم استسلموا للقضاء ، فلم يستحوذ الجزع على نفوسهم ، ففازوا بخير الدنيا والراحة فيها ، وسعادة الآخرة بتزكية النفس ، وتحليها بمكارم الأخلاق وصالح الأعمال . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 158 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 )