أحمد مصطفى المراغي

12

تفسير المراغي

( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) أي ولئن وافقتهم فيما يريدون ، فصليت إلى قبلتهم مداراة لهم وحرصا على اتباعك والإيمان بك ، بعد ما جاءك الحق اليقين ، والعلم الذي لا شكّ فيه - لتكونن من جملة الظالمين - وحاشاك أن تفعل ذلك . وتقدم أن مثل هذا من باب ( إيّاك أعنى واسمعي يا جاره ) فالمراد أنه لا ينبغي لأحد من أتباعك المؤمنين أن يفكر في اتباع أهواء القوم استمالة لهم ، فإن الحقّ قوىّ بذاته ، فمن عدل عنه وجارى أهل الأهواء ، رجاء منفعة أو اتقاء مضرّة فهو ظالم لنفسه ، ولمن سلك بهم هذا السبيل الجائر . وإذا كان هذا الوعيد توجه لأعلى الناس مقاما عند ربه لو حاول اتباع الهوى استرضاء للناس بمجاراتهم على الباطل ، فما ظنك بغيره ممن يتبع الهوى ويجارى الناس على شئ نهاهم اللّه عنه ، فليعلم المؤمنون أن اتباع أهواء الناس ولو لغرض صحيح من الظلم العظيم الذي يوقع في مهاوى الهلاك ، فكأنه قيل : إن هذا ظلم عظيم لا هوادة فيه مع أحد ، فلو فرض وقوعه من أكرم الناس على اللّه لحل عليه الظلم « وما للظّالمين من أنصار » فكيف بمن دونه ممن لا يقار به منزلة عند ربه ؟ ولا شكّ أن سماع هذا الوعيد وأشباهه يوجب على المؤمن أن يفكر طويلا ويتأمل فيما وصل إليه حال المسلمين اليوم ، وكيف إن علماءهم يجارون العامة في بدعهم وضلالاتهم وهم يعترفون ببعدها عن الدين ، ولا يكون لهم وازع من نواهيه ، وقوارعه الشديدة ، وزواجره التي تخرّ لها الجبال سجّدا . وأعجب من هذا مجاراتهم لأهواء الملوك والأمراء ، حتى إنهم ليلفّقون لهم من الحيل والفتاوى ما يسترضونهم به ، ويكون فيه إشباع لشهواتهم واتباع لأهوائهم . ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) هذا كالدليل لما ذكر في قوله : « لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » فكأنه قال : إن سبب العلم بأنه الحق ،