أحمد مصطفى المراغي

31

تفسير المراغي

بلا حصر ولا نهاية ، وهذا اللفظ خاص باللّه تعالى ولم يسمع عن العرب إطلاقه على غيره تعالى إلا في شعر لبعض من فتن بمسيلمة الكذاب : سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا * وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا والرّحيم هو الثابت له صفة الرحمة التي عنها يكون الإحسان . وقد ذكر سبحانه هذين الوصفين ليبين لعباده أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان ، ليقبلوا على عمل ما يرضيه وهم مطمئنو النفوس منشرحو الصدور ، لا ربوبية جبروت وقهر لهم . والعقوبات التي شرعها اللّه لعباده في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة لمن تعدّى حدوده وانتهك حرماته - هي قهر في الظاهر ورحمة في الحقيقة ، لأنها تربية للناس وزجر لهم حتى لا ينحرفوا عن الجادة التي شرعها لهم إذ في اتباعها سعادتهم ونعيمهم ، وفي تجاوزها شقاؤهم وبلاؤهم ، ألا ترى إلى الوالد الرؤوف كيف يربّى أولاده بالترغيب في عمل ما ينفع والإحسان إليهم إذا لزموا الجادّة ، فإذا هم حادوا عن الصراط السوي لجأ إلى الترهيب بالعقوبة حين لا يجد منها محيصا ، قال أبو تمام : فقسا ليزدجروا ومن يك حازما * فليقس أحيانا على من يرحم ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) قرأ بعض القرّاء مالك ، وبعض آخر ملك ، والفارق بينهما أن المالك هو ذو الملك ( بكسر الميم ) والملك هو ذو الملك ( بضم الميم ) وقد جاء في الكتاب الكريم ما يعاضد كلّا من القراءتين ، فيعاضد الأولى قوله : ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ) ويعاضد الثانية قوله : ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) . قال الراغب : والقراءتان وإن رويتا عن جمع كثير من الصحابة ، فالثانية يكنفها من الجلال والرّوعة وإثارة الخشية ما لا يوجد مثله في القراءة الأولى ، فهي تدلّ على أنه سبحانه هو المتصرف في شؤون العقلاء بالأمر والنهى والجزاء ، ومن ثمّ يقال ملك الناس ولا يقال ملك الأشياء : والدين يطلق لغة على الحساب ، وعلى المكافأة ، وعلى الجزاء ، وهو المناسب هنا ،