الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

99

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تأخيره إرشاد ابن أم مكتوم لما علمت من أنه يستعمل في التنبيه على أمر مغفول عنه ، والمعنى : لعله يزكّي تزكية عظيمة كانت نفسه متهيئة لها ساعتئذ إذ جاء مسترشدا حريصا ، وهذه حالة خفية . وكذلك عذره في الحرص على إرشاد المشرك بقوله : وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [ عبس : 7 ] إذ كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يخشى تبعة من فوات إيمان المشرك بسبب قطع المحاورة معه والإقبال على استجابة المؤمن المسترشد . فإن قال قائل : فلما ذا لم يعلم اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم من وقت حضور ابن أم مكتوم بما تضمنه هذا التعليم الذي ذكرتم . قلنا : لأن العلم الذي يحصل عن تبيّن غفلة ، أو إشعار بخفاء يكون أرسخ في النفس من العلم المسوق عن غير تعطش ولأن وقوع ذلك بعد حصول سببه أشهر بين المسلمين وليحصل للنبي صلى اللّه عليه وسلم مزية كلا المقامين : مقام الاجتهاد ، ومقام الإفادة . وحكمة ذلك كله أن يعلم اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بهذا المهيع من عليّ الاجتهاد لتكون نفسه غير غافلة عن مثله وليتأسى به علماء أمته وحكامها وولاة أمورها . ونظير هذا ما ضربه اللّه لموسى عليه السلام من المثل في ملاقاة الخضر ، وما جرى من المحاورة بينهما ، وقول الخضر لموسى : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [ الكهف : 68 ] ثم قوله له : ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [ الكهف : 82 ] . وقد سبق مثله في الشرائع السابقة كقوله في قصة نوح : يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ هود : 46 ] وقوله لإبراهيم : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] . هذا ما لاح لي في تفسير هذه الآيات تأصيلا وتفصيلا ، وهو بناء على أساس ما سبق إليه المفسرون من جعلهم مناط العتاب مجموع ما في القصة من الإعراض عن إرشاد ابن أم مكتوم ، ومن العبوس له ، والتولّي عنه ، ومن التصدّي القوي لدعوة المشرك والإقبال عليه . والأظهر عندي أن مناط العتاب الذي تؤتيه لهجة الآية والذي روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ثبوته من كثرة ما يقول لابن أم مكتوم : « مرحبا بمن عاتبني ربي لأجله » إنما هو عتاب على العبوس والتولّي ، لا على ما حفّ بذلك من المبادرة بدعوة ، وتأخير إرشاد ، لأن ما سلكه النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الحادثة من سبيل الإرشاد لا يستدعي عتابا إذ ما سلك إلا سبيل