الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

75

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و أَشَدُّ : اسم تفضيل ، والمفضل عليه محذوف يدل عليه قوله أَمِ السَّماءُ ومعنى أَشَدُّ أصعب ، و خَلْقاً مصدر منتصب على التمييز لنسبة الأشديّة إليهم ، أي أشد من جهة خلق اللّه إياكم أشد أم خلقه السماء ، فالتمييز محوّل عن المبتدأ . و السَّماءُ يجوز أن يراد به الجنس وتعريفه تعريف الجنس ، أي السماوات وهي محجوبة عن مشاهدة الناس فيكون الاستفهام التقريري مبنيا على ما هو مشتهر بين الناس من عظمة السماوات تنزيلا للمعقول منزل المحسوس . ويجوز أن يراد به سماء معينة وهي المسماة بالسماء الدنيا التي تلوح فيها أضواء النجوم فتعريفه تعريف العهد ، وهي الكرة الفضائية المحيطة بالأرض ويبدو فيها ضوء النهار وظلمة الليل ، فيكون الاستفهام التقريري مبنيا على ما هو مشاهد لهم . وهذا أنسب بقوله : وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها لعدم احتياجه إلى التأويل . وجملة بَناها يجوز أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان شدة خلق السماء ، ويجوز أن تكون بدل اشتمال في قوله : أَمِ السَّماءُ ، لأنه في تقدير : أم السماء أشد خلقا . وقد جعلت كلمة بَناها فاصلة فيكون الوقف عندها ولا ضير في ذلك إذ لا لبس في المعنى لأن بَناها جملة و أَمِ المعادلة لا يقع بعدها إلا اسم مفرد . والبناء : جعل بيت أو دار من حجارة ، أو آجر أو أدم ، أو أثواب من نسيج الشعر ، مشدودة شققه بعضها إلى بعض بغرز أو خياطة ومقامة على دعائم ، فما كان من ذلك بأدم يسمى قبة وما كان بأثواب يسمى خيمة وخباء . وبناء السماء : خلقها ، استعير له فعل البناء لمشابهتها البيوت في الارتفاع . وجملة رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها مبنية لجملة بَناها أو بدل اشتمال منها وسلك طريق الإجمال ثم التفصيل لزيادة التصوير . والسّمك : بفتح السين وسكون الميم : الرّفع في الفضاء كما اقتصر عليه الراغب سواء اتصل المرفوع بالأرض أو لم يتصل بها وهو مصدر سمك . والرّفع : جعل جسم معتليا وهو مرادف للسمك فتعدية فعل رَفَعَ إلى « السمك » للمبالغة في الرفع ، أي رفع رفعها أي جعله رفيعا ، وهو من قبيل قولهم : ليل أليل ، وشعر شاعر ، وظل ظليل .