الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
70
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
موسى إلى ما لا ينافي عقائده فيصغي إليه سمعه حتى إذا سمع قوله وحجته داخله الإيمان الحق مدرّجا ، ففي هذا الأسلوب استنزال لطائره . والخشية : الخوف فإذا أطلقت في لسان الشرع يراد بها خشية اللّه تعالى ، ولهذا نزل فعلها هنا منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول لأن المخشي معلوم مثل فعل الإيمان في لسان الشرع يقال : آمن فلان ، وفلان مؤمن ، أي مؤمن باللّه ووحدانيته . [ 20 - 24 ] [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 20 إلى 24 ] فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى ( 20 ) فَكَذَّبَ وَعَصى ( 21 ) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ( 22 ) فَحَشَرَ فَنادى ( 23 ) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( 24 ) الفاء في قوله : فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى فصيحة وتفريع على محذوف يقتضيه قوله اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ [ النازعات : 17 ] . والتقدير : فذهب فدعاه فكذبه فأراه الآية الكبرى ، وذلك لأن قوله : إِنَّهُ طَغى [ النازعات : 17 ] يؤذن بأنه سيلاقي دعوة موسى بالاحتقار والإنكار ، لأن الطغيان مظنّة ذينك ، فعرض موسى عليه إظهار آية تدل على صدق دعوته لعله يوقن كما قال تعالى : قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [ الشعراء : 30 - 32 ] ، فتلك هي الآية الكبرى المرادة هنا . والآية : حقيقتها العلامة والأمارة ، وتطلق على الحجة المثبتة لأنها علامة على ثبوت الحق ، وتطلق على معجزة الرسول لأنها دليل على صدق الرسول وهو المراد هنا . وأعقب فعل فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى بفعل فَكَذَّبَ للدلالة على شدة عناده ومكابرته حتى أنه رأى الآية فلم يتردد ولم يتمهل حتى ينظر في الدلالة ، بل بادر إلى التكذيب والعصيان . والمراد بعصيانه عصيان أمر اللّه أن يوحده أو أن يطلق بني إسرائيل من استعبادهم وتسخيرهم للخدمة في بلاده . وعطف ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ب ثُمَّ للدلالة على التراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ، فأفادت ثُمَّ أن مضمون الجملة المعطوفة بها أعلى رتبة في الغرض الذي تضمنته الجملة قبلها ، أي أنه ارتقى من التكذيب والعصيان إلى ما هو أشد وهو الإدبار والسعي وادعاء الإلهية لنفسه ، أي بعد أن فكّر مليا لم يقتنع بالتكذيب والعصيان فخشي أنه إن سكت ربما تروج دعوة موسى بين الناس فأراد الحيطة لدفعها وتحذير الناس منها . والإدبار والسعي مستعملان في معنييهما المجازيين فإن حقيقة الإدبار هو المشي إلى