الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
57
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و نَشْطاً مصدر جاء على مصدر فعل المتعدي من باب نصر فتعين أن النَّاشِطاتِ فاعلات النشط فهو متعد . وقد يكون مفضيا لإرادة النشاط الحقيقي لا المجازي . ويجوز أن يكون التأكيد لتحقيق الوصف لا لرفع احتمال المجاز . وعن ابن عباس : النَّاشِطاتِ الملائكة تنشيط نفوس المؤمنين ، وعنه هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج . و السَّابِحاتِ صفة من السبح المجازي ، وأصل السبح العوم وهو تنقل الجسم على وجه الماء مباشرة وهو هنا مستعار لسرعة الانتقال ، فيجوز أن يكون المراد الملائكة السائرين في أجواء السماوات وآفاق الأرض ، وروي عن علي بن أبي طالب . ويجوز أن يراد خيل الغزاة حين هجومها على العدوّ سريعة كسرعة السابح في الماء كالسابحات في قول امرئ القيس يصف فرسا : مسح إذا ما السابحات على الونى * أثرن الغبار بالكديد المركّل وقيل : السَّابِحاتِ النجوم ، وهو جار على قول من فسر النازعات بالنجوم ، و سَبْحاً مصدر مؤكد لإفادة التحقيق مع التوسل إلى تنوينه للتعظيم ، وعطف فَالسَّابِقاتِ بالفاء يؤذن بأن هذه الصفة متفرعة عن التي قبلها لأنهم يعطفون بالفاء الصفات التي شأنها أن يتفرع بعضها عن بعض كما تقدم في قوله تعالى : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِراتِ زَجْراً * فَالتَّالِياتِ ذِكْراً [ الصافات : 1 - 3 ] قول ابن زيابة : يا لهف زيّابة للحارث الصّ * أبح فالغائم فالآئب فلذلك فَالسَّابِقاتِ هي السابقات من السابحات . والسبق : تجاوز السائر من يسير معه ووصوله إلى المكان المسير إليه قبله . ويطلق السبق على سرعة الوصول من دون وجود سائر مع السابق قال تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ [ البقرة : 148 ] وقال : أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ [ المؤمنون : 61 ] . ويطلق السبق على الغلب والقهر ، ومنه قوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا [ العنكبوت : 4 ] وقول مرة بن عداء الفقعسي : كأنك لم تسبق من الدهر ليلة * إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب