الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
550
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إذا وضعوا علاج سحرهم في شيء وعقدوا عليه عقدا ثم نفثوا عليها . فالمراد ب النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ : النساء الساحرات ، وإنما جيء بصفة المؤنث لأن الغالب عند العرب أن يتعاطى السحر النساء لأن نساءهم لا شغل لهن بعد تهيئة لوازم الطعام والماء والنظافة ، فلذلك يكثر انكبابهن على مثل هاته السفاسف من السحر والتّكهن ونحو ذلك ، فالأوهام الباطلة تتفشى بينهن ، وكان العرب يزعمون أن الغول ساحرة من الجن . وورد في خبر هجرة الحبشة أن عمارة بن الوليد بن المغيرة اتّهم بزوجة النجاشي وأن النجاشي دعا له السواحر فنفخن في إحليله فصار مسلوب العقل هائما على وجهه ولحق بالوحوش . و الْعُقَدِ : جمع عقدة وهي ربط في خيط أو وتر يزعم السحرة أنه سحر المسحور يستمر ما دامت تلك العقد معقودة ، ولذلك يخافون من حلها فيدفنونها أو يخبئونها في محل لا يهتدى إليه . أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالاستعاذة من شر السحرة لأنه ضمن له أن لا يلحقه شر السحرة ، وذلك إبطال لقول المشركين في أكاذيبهم إنه مسحور ، قال تعالى : وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [ الفرقان : 8 ] . وجملة القول هنا : أنه لما كان الأصح أن السورة مكية فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم مأمون من أن يصيبه شر النفاثات لأن اللّه أعاذه منها . وأمّا السحر فقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ في سورة البقرة [ 102 ] . وإنما جعلت الاستعاذة من النفاثات لا من النفث ، فلم يقل : إذا نفثن في العقد ، للإشارة إلى أن نفثهن في العقد ليس بشيء يجلب ضرا بذاته وإنما يجلب الضر النافثات وهن متعاطيات السحر ، لأن الساحر يحرص على أن لا يترك شيئا مما يحقق له ما يعمله لأجله إلّا احتال على إيصاله إليه ، فربما وضع له في طعامه أو شرابه عناصر مفسدة للعقل أو مهلكة بقصد أو بغير قصد ، أو قاذورات يفسد اختلاطها بالجسد بعض عناصر انتظام الجسم يختلّ بها نشاط أعصابه أو إرادته ، وربما أغرى به من يغتاله أو من يتجسس على أحواله ليري لمن يسألونه السحر أن سحره لا يتخلف ولا يخطئ . وتعريف النَّفَّاثاتِ تعريف الجنس وهو في معنى النكرة ، فلا تفاوت في المعنى بينه وبين قوله : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ [ الفلق : 3 ] وقوله : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ [ الفلق : 5 ] . وإنما