الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

548

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على نية النيابة عمن لا يحسن أن يعوذ نفسه بنفسه بتلك الكلمات لعجز أو صغر أو عدم حفظ . والعوذ : اللجأ إلى شيء يقي من يلجأ إليه ما يخافه ، يقال : عاذ بفلان ، وعاذ بحصن ، ويقال : استعاذ ، إذا سأل غيره أن يعيذه قال تعالى : فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الأعراف : 200 ] . وعاذ من كذا ، إذا صار إلى ما يعيذه منه قال تعالى : فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ النحل : 98 ] . و الْفَلَقِ : الصبح ، وهو فعل بمعنى مفعول مثل الصّمد لأن الليل شبه بشيء مغلق ينفلق عن الصبح ، وحقيقة الفلق : الانشقاق عن باطن شيء ، واستعير لظهور الصبح بعد ظلمة الليل ، وهذا مثل استعارة الإخراج لظهور النور بعد الظلام في قوله تعالى : وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها [ النازعات : 29 ] ، واستعارة السلخ له في قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [ يس : 37 ] . وربّ الفلق : هو اللّه ، لأنه الذي خلق أسباب ظهور الصبح ، وتخصيص وصف اللّه بأنه رب الفلق دون وصف آخر لأن شرا كثيرا يحدث في الليل من لصوص ، وسباع ، وذوات سموم ، وتعذر السير ، وعسر النجدة ، وبعد الاستغاثة واشتداد آلام المرضى ، حتى ظن بعض أهل الضلالة الليل إله الشر . والمعنى : أعوذ بفالق الصبح منجاة من شرور الليل ، فإنه قادر على أن ينجيني في الليل من الشر كما أنجى أهل الأرض كلهم بأن خلق لهم الصبح ، فوصف اللّه بالصفة التي فيها تمهيد للإجابة . [ 3 ] [ سورة الفلق ( 113 ) : آية 3 ] وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 ) عطف أشياء خاصة هي ممّا شمله عموم مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ [ الفلق : 2 ] ، وهي ثلاثة أنواع من أنواع الشرور : أحدها : وقت يغلب وقوع الشر فيه وهو الليل . والثاني : صنف من الناس أقيمت صناعتهم على إرادة الشر بالغير . والثالث : صنف من الناس ذو خلق من شأنه أن يبعث على إلحاق الأذى بمن تعلق به .