الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
540
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بأثر قراءة أبيّ بدون قُلْ كما تأوله الطيبي إذ قال : وهذا استشهاد على هذه القراءة . وعندي إن صح ما روي من القراءة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يقصد بها التلاوة وإنما قصد الامتثال لما أمر بأن يقوله ، وهذا كما كان يكثر أن يقول : « سبحان ربي العظيم وبحمده اللهم اغفر لي » يتأول قوله تعالى : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [ النصر : 3 ] . [ 2 ] [ سورة الإخلاص ( 112 ) : آية 2 ] اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) جملة ثانية محكية بالقول المحكية به جملة : اللَّهُ أَحَدٌ ، فهي خبر ثان عن الضمير . والخبر المتعدد يجوز عطفه وفصله ، وإنما فصلت عن التي قبلها لأن هذه الجملة مسوقة لتلقين السامعين فكانت جديرة بأن تكون كل جملة مستقلة بذاتها غير ملحقة بالتي قبلها بالعطف ، على طريقة إلقاء المسائل على المتعلم نحو أن يقول : الحوز شرط صحة الحبس ، الحوز لا يتم إلا بالمعاينة ، ونحو قولك : عنترة من فحول الشعراء ، عنترة من أبطال الفرسان . ولهذا الاعتبار وقع إظهار اسم الجلالة في قوله : اللَّهُ الصَّمَدُ وكان مقتضى الظاهر أن يقال : هو الصمد . و الصَّمَدُ : السيد الذي لا يستغنى عنه في المهمات ، وهو سيد القوم المطاع فيهم . قال في « الكشاف » : وهو فعل بمعنى مفعول من : صمد إليه ، إذا قصده ، فالصمد المصمود في الحوائج . قلت : ونظيره السّند الذي تسند إليه الأمور المهمة . والفلق اسم الصباح لأنه يتفلق عنه الليل . و الصَّمَدُ : من صفات اللّه ، واللّه هو الصمد الحق الكامل الصمدية على وجه العموم . فالصمد من الأسماء التسعة والتسعين في حديث أبي هريرة عند الترمذي . ومعناه : المفتقر إليه كلّ ما عداه ، فالمعدوم مفتقر وجوده إليه والموجود مفتقر في شؤونه إليه . وقد كثرت عبارات المفسرين من السلف في معنى الصمد ، وكلها مندرجة تحت هذا المعنى الجامع ، وقد أنهاها فخر الدين إلى ثمانية عشر قولا . ويشمل هذا الاسم صفات اللّه المعنوية الإضافية وهي كونه تعالى حيّا ، عالما ، مريدا ، قادرا ، متكلما ، سميعا ،