الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
535
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهي مكية في قول الجمهور ، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرظي : هي مدنية ونسب كلا القولين إلى ابن عباس . ومنشأ هذا الخلاف الاختلاف في سبب نزولها فروى الترمذي عن أبيّ بن كعب ، وروى عبيد العطار عن ابن مسعود ، وأبو يعلى عن جابر بن عبد اللّه : « أن قريشا قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « انسب لنا ربك » فنزلت قل هو اللّه أحد إلى آخرها » فتكون مكية . و روى أبو صالح عن ابن عباس : « أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة ( أخا لبيد ) أتيا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال عامر : إلام تدعونا ؟ قال : إلى اللّه ، قال : صفه لنا أمن ذهب هو ، أم من فضة ، أم من حديد ، أم من خشب ؟ ( يحسب لجهله أن الإله صنم كأصنامهم من معدن أو خشب أو حجارة ) فنزلت هذه السورة ، فتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة . و قال الواحدي : « إن أحبار اليهود ( منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ) قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : صف لنا ربّك لعلنا نؤمن بك ، فنزلت » . والصحيح أنها مكية فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة ، ولعل تأويل من قال : إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد ، أو حينما سأل أحبار اليهود ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ عليهم هذه السورة ، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ أو لم يضبط الرواة عنهم عبارتهم تمام الضبط . قال في « الإتقان » : وجمع بعضهم بين الروايتين بتكرر نزولها ثم ظهر لي ترجيح أنها مدنية كما بينته في « أسباب النزول » ا ه . وعلى الأصح من أنها مكية عدّت السورة الثانية والعشرين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الناس وقبل سورة النجم . وآياتها عند أهل العدد بالمدينة والكوفة والبصرة أربع ، وعند أهل مكة والشام خمس باعتبار لَمْ يَلِدْ آية وَلَمْ يُولَدْ آية . أغراضها إثبات وحدانية اللّه تعالى . وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات . وإبطال أن يكون له ابن .