الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

521

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والكلام من قبيل الكناية الرمزية وهي لا تنافي إرادة المعنى الصريح بأن يحمل الأمر بالتسبيح والاستغفار على معنى الإكثار من قول ذلك . وقد دل ذوق الكلام بعض ذوي الأفهام النافدة من الصحابة على هذا المعنى وغاصب عليه مثل أبي بكر وعمر والعباس وابنه عبد اللّه وابن مسعود ، فعن مقاتل : « لما نزلت قرأها النبي صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه ففرحوا واستبشروا وبكى العباس فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما يبكيك يا عم ؟ قال : نعيت إليك نفسك . فقال : إنه لكما تقول » . وفي رواية : « نزلت في منى فبكى عمر والعباس فقيل لهما ، فقالا : فيه نعي رسول اللّه فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : صدقتما نعيت إليّ نفسي » . وفي « صحيح البخاري » وغيره عن ابن عباس : « كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم فوجد بعضهم من ذلك ، فقال لهم عمر : إنه من قد علمتم . قال : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم ، فسألهم عن هذه السورة : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقالوا : أمر اللّه نبيئه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقال : ما تقول يا ابن عباس ؟ قلت : ليس كذلك ولكن أخبر اللّه نبيئه حضور أجله فقال : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، فذلك علامة موتك ؟ فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول » فهذا فهم عمر والعباس وعبد اللّه ابنه . و قال في « الكشاف » : روي أنه لما نزلت خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إن عبدا خيّره اللّه بين الدنيا وبين ما عند اللّه فاختار ما عند اللّه عزّ وجل . فعلم أبو بكر فقال : فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا » ا ه . قال ابن حجر في « تخريج أحاديث الكشاف » : الحديث متفق عليه إلا صدره دون أوله من كونه كان عند نزول السورة ا ه . ويحتمل أن يكون بكاء أبي بكر تكرر مرتين أولاهما عند نزول سورة النصر كما في رواية « الكشاف » والثانية عند خطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم في مرضه . وعن ابن مسعود أن هذه السورة « تسمى سورة التوديع » أي لأنهم علموا أنها إيذان بقرب وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وتقديم التسبيح والحمد على الاستغفار لأن التسبيح راجع إلى وصف اللّه تعالى بالتنزه عن النقص وهو يجمع صفات السلب ، فالتسبيح متمحض لجانب اللّه تعالى ، ولأن الحمد ثناء على اللّه لإنعامه ، وهو أداء العبد ما يجب عليه لشكر المنعم فهو مستلزم إثبات صفات الكمال للّه التي هي منشأ إنعامه على عبده فهو جامع بين جانب اللّه وحظ العبد ، وأما الاستغفار فهو حظ للعبد وحده لأنه طلبه اللّه أن يعفو عما يؤاخذه عليه .